الرئيسيةعربي و عالميواشنطن وتكرار أخطاء الماضي مع اقتراب...
عربي و عالمي

واشنطن وتكرار أخطاء الماضي مع اقتراب زلزال سياسي

20/06/2026 21:01

السياق الإقليمي وإعادة رسم الحدود

تشهد المنطقة تشكيلًا جديدًا؛ الخرائط تبدو مرعوبة، خاصة تلك التي عانت من نزيف وجروح. الحدود فقدت معناها وفائدتها، وأصبحت مجرد حبر على ورق في كثير من الحالات. أنواع الشرور قفزت عليها كالطائفية والمذهبية والكراهية.

قبل سنوات، تفاخرت الجمهورية الإسلامية الإيرانية بوضع يدها على أربع عواصم عربية؛ كان ذلك تجسيدًا لانتهاك سيادة الدول واستقلالها وكينونتها. تجول قاسم سليماني، قائد فيلق القدس، بحرية مطلقة في بغداد ثم انتقل إلى بيروت ودمشق وصنعاء، بينما وقف العالم متفرجًا. بعد أن نفّذ أجندته المتطرفة، قتلته طائرة أمريكية دون طيار أدارتها مجندة تابعة لسلاح الجو الأمريكي من إحدى القواعد العسكرية. ورغم ذلك لم تنتهِ استراتيجية إيران رغم تغير قواعد اللعبة.

الاتفاقات الأميركية الإيرانية ومخاطر الاستسلام

في يونيو عام 2015 قدمت واشنطن قبلة حياة لطهران عبر توقيع اتفاق (5+1). كسبت الجمهورية كل شيء، بينما لم تجن الدول الموقعة على الاتفاق أي شيء.

يبدو أن الماضي يعيد نفسه؛ دونالد ترامب يعتزم التوقيع على مذكرة تفاهم مضامينها أسوأ من الاتفاقية التي مزقها سابقًا، وتشترك بنودها إلى حد كبير مع السابقة.

بينما وصفها ترامب بالرائعة، عملت الآلة الإعلامية الإيرانية على تصوير الأمر كنتيجة لتفوقها العسكري وهزيمة سياسية أمريكية، بهدف تحفيز قواعدها الشعبية داخليًا وإقليميًا.

أرى أن التفاهمات الأمريكية الإيرانية يمكن وصفها بأنها بعيدة عن العبقرية وقريبة من الاستسلام؛ لأنها لم تراعِ متطلبات أمن الأصدقاء وما ينتظرونه وما يأملون به، ما يبعدها عن الحصافة والعقلانية التي لا تضعها في خانة الإنجاز العظيم.

ما يرتبط بالاستسلام يظهر من خلال إعطاء إيران أكثر من حاجتها وطموحاتها، مثل الحصول على الأموال المجمدة بشرط استلام نصفها قبل التوقيع –أي دفع أولًا ثم التفاوض– وصولًا إلى رفع العقوبات الاقتصادية عنها.

بالإضافة إلى ذلك، اقتصر الجانب الأمريكي على مناقشة ملف تخصيب اليورانيوم الذي سيعود إلى طاولة المفاوضات كونه لم يُحسم بعد، وفتح مضيق هرمز الذي استغلته الجمهورية الإسلامية بخبث ودهاء كورقة سياسية رغم أنها لا تملك حق إدارتها أو التحكم بها.

العواقب الاستراتيجية والتحذيرات من زلزال قادم

في رأيي توجد أخطاء استراتيجية تنسف أسباب الحرب التي شنتها أمريكا، والتي أكد رئيسها نيته وعزمه القضاء على النظام الإيراني بالكامل. أولًا: عندما يملك طرف تفوقًا عسكريًا وتأييدًا دوليًا ويسارع لتقديم تنازلات دون ثمن، يعود ذلك على قضيته بالضعف ويمنح الطرف المقابل –الجانب الإيراني– زخمًا واسعًا بعد انكسار صورته بقتل رموز وقادة الصف الأول. ثانيًا: إتاحة الفرصة لطهران للتباهي بانتصار مزيف. ثالثًا –وهو خطير–: إعطاء إيران الوصاية على جبهة لبنان، المشروطة بإيقاف الحرب ضدها أي مواجهة حزب الله؛ وهذا يضيف شرعية للميليشيات ويعترف بها كعنصر فاعل في ملفات المنطقة، ثم يعرقل جهود الدولة اللبنانية بعزل الحزب عن سلاحه غير القانوني. رابعًا: تمهيد الطريق لنمو أذرع إيران في المنطقة؛ عدم اشتراط التوقف عن تمويل تلك الأذرع الإرهابية يمنح الحرس الثوري مزيدًا من النفوذ والتوغل والقوة، ويمنحه مساحة واسعة لدعمها المطلق، ويعيد مفهوم المقاومة ومحور الممانعة ووحدة الساحات إلى الواجهة بشكل أشرس من قبل.

يثير الاستغراب قول ترامب مؤخرًا: “التفاهم مع إيران سيسهم في تحقيق السلام بالمنطقة، بما فيها لبنان”.

الأسئلة الجوهرية مشروعة: ماذا عن الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة؟ كيف سيتحقق السلام بينما يظل سلاح وكلاء إيران سائبًا في دول لا تملك سلطة نزعه والتحكم به؟ ألم تُظهر الهجمات الأخيرة من قبل الحشد الشعبي العراقي ضد السعودية ودول الخليج أن الميليشيات الممولة من إيران هي أهم أدوات زعزعة الأمن وخلط الأوراق؟ لو كان حزب الله أو الحشد الشعبي على الحدود الأمريكية، ما سيكون رد الفعل؟ في رأيي سيؤدي ذلك إلى العودة لمشهد اقتحام عاصمة فنزويلا واقتاد رئيسها من غرفة نومه لأنه شكل خطرًا على أمريكا.

هذه التخبطات السياسية التي تسعى من خلالها إدارة ترامب لتبييض صفحتها الداخلية، وتجاهل أمن وسلامة الحلفاء ودول الاعتدال في هذا الإقليم الحيوي، والخضوع لشروط إيران دون مكاسب ملحوظة، سيكون لها أثر كبير على تراجع نفوذها في الشرق الأوسط وفقدان الحلفاء الأوفياء.

ظنت الإدارة الأمريكية، بدعم من تل أبيب (التي تلتزم الصمت وتعيش حالة من الغضب)، أن توجيه ضربات موجعة سيبني نظامًا إيرانيًا متوافقًا مع العالم؛ الحقيقة أنها خسرت الرهان وتعاني الآن من تراجع هيبتها الدولية.

لم يفهم سيد البيت الأبيض وفريق مستشاريه أن تركيبة ولاية الفقيه عميقة الجذور ولا يمكن التخلي عن قواعدها التي قامت عليها بالقصف أو الحصار أو بالحديد والنار من البحر أو السماء.

المسارعة للتوقيع على تفاهم من شأنه معالجة نتائج الأزمة لكنه لن ينهي أسبابها التي ساقتها كمبرر للحرب. لقد وقع في فخ الـ14 بندا 14 مرة، وسيعيد أخطاء التاريخ ويهيئ العالم لزلزال مرتقب.