أرمينيا تتأرجح بين موسكو وأوروبا: موسكو تحذر من 'الطلاق' النهائي

تتردد في موسكو، هذه الأيام، عبارة مفادها أن «أرمينيا تقترب من لحظة الحقيقة». فالجمهورية السوفياتية السابقة الصغيرة تواجه اختياراً صعباً وهي تسعى لتحديد مساراتها المستقبلية بعد هزات كبرى وهزائم عسكرية وسياسية متلاحقة منذ «حرب كاراباخ الثالثة» في 2023. ويبدو أن الكرملين، الذي صعّد لهجته في تحذير يريفان من تبني «خيارات خاطئة» عبر الاقتراب من أوروبا والانخراط في مسارات تضع البلد القوقازي الأشد فقراً ضمن لائحة «الأعداء»، يُعِدّ خياراته هو الآخر، ويستعد للتعامل مع أسوأ السيناريوهات.
قطيعة متصاعدة بين يريفان وموسكو
شهدت العلاقات الروسية – الأرمينية، التي وُصفت طوال السنوات التي أعقبت تفكك الدولة السوفياتية بأنها وثيقة وتقترب من كونها تحالفاً متيناً على الصعد العسكرية والأمنية والاقتصادية، تراجعاً متواصلاً منذ وصول رئيس الوزراء نيكول باشينيان إلى السلطة في عام 2018. ولا يقتصر الأمر على أنه جاء خلفاً للحكم الموالي لموسكو عقب ثورة شعبية ضد الفساد، بل إنه رفع منذ البداية شعارات التقارب مع «الاتحاد الأوروبي» و«تنويع الخيارات». وقد قادت سياسته البلاد إلى دفع ثمن باهظ حينما ماطلت موسكو في التدخل لوقف «حرب كاراباخ الثانية 2020» وتخفيف الضغط عن يريفان، ثم رعت وقفاً هشاً للنار لم يلبث أن انهار بعد 3 سنوات، حينما تجرعت أرمينيا هزيمة مريرة إثر عملية عسكرية أذرية خاطفة مكّنت باكو بمساعدة تركية من استعادة السيطرة على كاراباخ وفرض تسوية مهينة ليريفان.
ومنذ ذلك الوقت، ومع تصاعد «خيبة الأمل» في أرمينيا حيال العلاقات مع موسكو، اتخذ مسار تعزيز الاتصالات مع «الاتحاد الأوروبي» منحى متسارعاً، إلى جانب توسيع العلاقات مع الولايات المتحدة التي رعت لاحقاً اتفاق سلام بين أرمينيا وأذربيجان سمح لأول مرة في التاريخ بوجود عسكري مباشر للولايات المتحدة في منطقة جنوب القوقاز. لكن التدهور الأكبر في العلاقات تصاعد خلال الأشهر الأخيرة، خصوصاً أن مسار التقارب مع أوروبا توج في فبراير (شباط) الماضي بإقرار البرلمان المحلي مشروع قانون لبدء إجراءات الانضمام إلى «الاتحاد الأوروبي».
وجاء عقد أول قمة أوروبية – أرمينية بداية الشهر في يريفان ليفاقم الوضع. بالنسبة إلى موسكو، كان الأسوأ من حضور 27 زعيماً أوروبياً وعقد لقاءات وفعاليات متعددة، هو أن يُدعى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي للمشاركة في مستويين مهمين: اجتماع «المجموعة السياسية الأوروبية» و«القمة الأرمينية – الأوروبية»، حيث حضر زيلينسكي الفعاليتين وأدلى بتصريحات عنيفة ضد موسكو من قلب العاصمة الأرمينية، مما أثار بشدة غضب الكرملين. وانتقدت الرئاسة الروسية عدم مسارعة باشينيان إلى «موازنة» حديث زيلينسكي ضد روسيا. ووصف محللون الحدث في يريفان بأنه إعلان رسمي عن الطلاق النهائي بين موسكو ويريفان وتدشين مسار انضمام أرمينيا إلى «الاتحاد الأوروبي».
الكرملين يحذر: إما أوروبا وإما روسيا
لم يتأخر الكرملين في إصدار تحذير قوي ليريفان من خطورة هذا المسار وتداعياته على العلاقة مع روسيا. وأطلق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أول إشارة قوية عندما أبلغ رئيس الوزراء الأرميني، الذي كان قد زار موسكو في أبريل (نيسان) الماضي، بأن على أرمينيا أن تختار إما الاندماج مع أوروبا وإما مواصلة التقارب مع روسيا. ورأى بوتين أنه لا يمكن استمرار عضوية أرمينيا في «الاتحاد الاقتصادي الأوراسي» إذا أبرمت أي اتفاقات شراكة مع أوروبا.
كان التهديد واضحاً ومباشراً. ورغم أن أرمينيا تجنبت إعلان موقف تجاهه، واكتفى باشينيان بتأكيد أنه سيلجأ إلى استفتاء شعبي لتحديد المسار المقبل، فإن تعمده عدم المشاركة في احتفالات «عيد النصر» على النازية إلى جانب بعض قادة الجمهوريات السوفياتية السابقة شكّل، وفق محللين، رسالة غير مباشرة بطبيعة الاختيار الأرميني، فضلاً عن أنه استقبل قادة أوروبا في وقت كانت فيه موسكو تستكمل تحضيراتها للاحتفالات.
وجدد الناطق الرئاسي الروسي ديميتري بيسكوف، الاثنين، التحذير بأن انضمام يريفان إلى «الاتحاد الأوروبي» سيؤدي إلى فقدان «شروط التعاون المواتية مع موسكو». ولمح بيسكوف إلى الفوائد التي تجنيها أرمينيا من علاقاتها بموسكو، بما في ذلك أسعار تفضيلية للغاز والنفط. الجديد في اللهجة الروسية هو التلويح بأن لدى موسكو أنصاراً داخل أرمينيا، حيث تحدث بيسكوف عن وجود «قوى سياسية في أرمينيا تدعم التوجه التنموي الروسي وعمليات التكامل التي تشمل روسيا». واللافت أن حديث بيسكوف جاء قبل يوم واحد من وصول وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إلى أرمينيا في زيارة يلتقي خلالها نظيره الأرميني أرارات ميرزويان. وتوقعت أوساط روسية أن تتخلل الزيارة «تصريحات معادية لروسيا».
وقبل أيام، نبّه وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف إلى أن «هناك محاولات لجر أرمينيا إلى المعسكر المعادي لروسيا بهدف إلحاق الضرر بها قدر الإمكان». كما صرح نائب رئيس مجلس الأمن الروسي ديميتري ميدفيديف بأن صبر روسيا بدأ ينفد.
خسائر اقتصادية متوقعة لأرمينيا
رصد خبراء الخسائر المحتملة لأرمينيا جراء هذه الخطوة إذا اكتملت، لا سيما في مجالات الزراعة والصناعات التحويلية والهجرة والرسوم الجمركية. وبين ذلك أن موسكو تبيع الغاز لأرمينيا بسعر 177.50 دولار لكل ألف متر مكعب، بينما يشتري الأوروبيون الغاز الروسي بسعر 600 دولار لكل ألف متر مكعب. ومن بين النجاحات الاقتصادية التي ترى موسكو أنها ساعدت يريفان في تحقيقها، أنه منذ انضمام أرمينيا إلى «الاتحاد الاقتصادي الأوراسي» عام 2015، ارتفع نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في أرمينيا من 3850 دولاراً إلى 8500 دولار عام 2024. وبلغ حجم التبادل التجاري مع روسيا ذروته عام 2024، مسجلاً 11.7 مليار دولار. وبحلول عام 2025، انخفض إلى 6.4 مليار دولار. بينما بلغ حجم التبادل التجاري لأرمينيا مع «الاتحاد الأوروبي» خلال الفترة من يناير (كانون الثاني) إلى نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، 2.23 مليار دولار.
سيناريو أوكرانيا: تحذيرات من عواقب قاسية
وإلى جانب حسابات الربح والخسارة الاقتصادية، حملت التحذيرات الروسية لأرمينيا أبعاداً أكثر حساسية وتلميحات أشد خطورة. ترى أوساط روسية أن تسارع تقارب أرمينيا مع «الاتحاد الأوروبي» يضعها في خانة «الأعداء»، إذ «يُعلن (الاتحاد الأوروبي) صراحةً استعداده للحرب مع روسيا، لذا فإن التودد للعدو يُنظر إليه بوضوح تام هنا»، كما كتب محلل سياسي مقرب من الكرملين مؤخراً. كذلك في ظل التعقيدات المستجدة في العالم، يكتسب جنوب القوقاز دوراً متفرداً، خصوصاً عند ملتقى طرق الشمال والجنوب والشرق والغرب. وهذا ما يفسر رغبة يريفان في تنويع الخيارات ومحاولة اكتساب فوائد، لكنه في الوقت ذاته يشكل سلاحاً يهدد موسكو بقوة، التي تخشى أكثر من أي وقت مضى انحسار نفوذها في منطقة جنوب القوقاز بشكل متسارع. ودفع ذلك خبراء وسياسيين في روسيا إلى التنويه بأن موسكو لن تقف مكتوفة الأيدي، وأن «أرمينيا تنتهج الأخطاء نفسها التي ارتكبتها أوكرانيا، والعواقب قد تكون قاسية». وقال عالم السياسة وعضو «المجلس الرئاسي الروسي للعلاقات بين الأعراق»، بوغدان بيزبالكو، لوكالة «نوفوستي»، إن «رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان وحلفاءه يُخاطرون بفقدان استقلال بلادهم عبر محاولتهم إعادة توجيه أنفسهم نحو الغرب». ورأى أنه «من الصعب التنبؤ بالعواقب المستقبلية على أرمينيا، ولكن إذا انسحبت من منظمة (معاهدة الأمن الجماعي والاتحاد الاقتصادي الأوراسي)، أو حاولت الانضمام إلى أي اتحادات أو منظمات أو مشروعات أوروبية، فستخسر دون شك جزءاً من ناتجها المحلي الإجمالي وسيادتها». في المقابل، يقول بعض المحللين إن أرمينيا قد تكون مثل أوكرانيا وجورجيا وأذربيجان التي قد تجاوزت فكرة الخضوع لـ«الشقيق الأكبر»، وإن مفعول «الحنين إلى الاتحاد السوفياتي» قد استُنفد، وإن «أجيالاً نشأت في الدول المجاورة لروسيا لم تعرف الاتحاد السوفياتي قط، وبالنسبة إليهم، فقد أصبح هذا المفهوم غريباً».





