الرئيسية›عربي و عالمي›باب "يدي كولة" في إسطنبول يستعرض...
عربي و عالمي

باب "يدي كولة" في إسطنبول يستعرض تاريخ عصرين عبر أسواره

25/10/2026 07:03

على الطرف الجنوبي من أسوار إسطنبول التاريخية، حيث تلتقي التحصينات البرية مع بحر مرمرة، يتربع باب “يدي كولة” كشاهد صامت على قرون من تاريخ المدينة. رغم اندثار أجزاء منه بسبب الزمن، إلا أنه ما زال يحتفظ بآثار تعود إلى العصرين البيزنطي والعثماني، مما يجعله وثيقة معمارية حية.

يقع الباب بالقرب من قلعة الأبراج السبعة (يدي كولة)، ويحمل ملامح معمارية تعكس مراحل مختلفة من تاريخ إسطنبول، بدءاً من استخدامه لأغراض الدفاع في العصر البيزنطي، وصولاً إلى تحوله لمدخل يخدم الدفاع والأمن في العهد العثماني. وقد رصدت عدسة وكالة الأناضول هذه المعالم التاريخية، التي تقع شمالي باب الذهب (آلتون قابي)، بين البرجين الحادي عشر والثاني عشر من الأسوار البرية.

من الدفاع إلى الأمن

لم يكن باب “يدي كولة” مجرد ممر عادي للعبور بين جانبي الأسوار، بل كان جزءاً لا يتجزأ من منظومة التحصينات المحيطة بإسطنبول، والتي تغيرت وظائفها مع تتابع العصور. في هذا السياق، قال قادر بكتاش، أستاذ تاريخ الفن بكلية الآداب في جامعة إسطنبول مدنيت، للأناضول، إن الباب يقع عند الطرف الجنوبي من الأسوار البرية، إلى الشمال من باب الذهب، حيث تقترب التحصينات من نهايتها باتجاه بحر مرمرة. وأوضح أن الباب استخدم في العصر البيزنطي لأغراض الدفاع، واستمر استخدامه خلال العهد العثماني لأغراض الدفاع والأمن معاً، مشيراً إلى أن موقعه جعله أحد المداخل المهمة في الأسوار، حيث كان يربط بين المنطقة الواقعة داخلها ومحيط “يدي كولة”، بالقرب من القلعة التي تحمل الاسم نفسه.

قوس عثماني وممر بيزنطي مفقود

مع مرور القرون، تغيرت ملامح الباب، ولم يبقَ من بنائه سوى الممر الكبير الذي يفتح على خط الأسوار الرئيسي، بينما اختفى الممر الثاني الذي كان يقع في الجزء الأمامي من التحصينات. وأوضح بكتاش أن صوراً تاريخية تعود إلى القرن التاسع عشر تشير إلى وجود بوابة ثانية ذات قوس في الجزء الأمامي من الأسوار، لكنها اندثرت ولم يبقَ منها شيء اليوم. وأضاف أن الأبحاث الأثرية التي أجريت في الموقع تشير إلى أن الممر المفقود يعود إلى العصر البيزنطي، وربما إلى مرحلته المتأخرة. أما القوس الذي لا يزال قائماً، فيحمل ملامح عثمانية واضحة، أبرزها شكله المدبب وبناؤه من صفين من الآجر. والآجر هو طوب مصنوع من الطين، يُحرق في أفران بدرجات حرارة مرتفعة ليكتسب الصلابة والمتانة، واستخدم منذ القدم في تشييد المباني والأسوار والأقواس المعمارية. وأوضح بكتاش أن الآجر المستخدم في الجزء الخارجي من القوس أقصر قليلاً من نظيره المواجه للجزء الداخلي، وهي تفاصيل معمارية تعكس أسلوب البناء في العهد العثماني.

نقوش ترميم من القرن الثامن عشر

لم تقتصر آثار العهد العثماني على الشكل المعماري للباب، إذ تحتفظ جدرانه بنقوش توثق أعمال ترميم شهدها خلال القرن الثامن عشر. ومن أبرز هذه الشواهد نقش يقع فوق فتحة القوس، يعود إلى عهد السلطان أحمد الثالث، فيما توجد على امتداد الأسوار المجاورة كتابتان أخريان ترتبطان بعهدي السلطانين أحمد الثالث وعثمان الثالث. وبحسب بكتاش، تشير هذه النقوش إلى أن الباب والأسوار المحيطة به خضعت لأعمال ترميم مهمة في منتصف القرن الثامن عشر تقريباً، ما يعكس استمرار استخدام هذا الجزء من تحصينات المدينة خلال العهد العثماني. ورجح أن يكون باب “يدي كولة” قد شهد أعمال ترميم أكثر شمولاً مقارنة ببعض بوابات الأسوار الأخرى، بالنظر إلى أهميته وموقعه بالقرب من قلعة الأبراج السبعة.

طريق إلى سجون يدي كولة

لم تقتصر أهمية الباب في العهد العثماني على دوره الدفاعي والأمني، إذ ارتبط أيضاً بالوصول إلى سجون “يدي كولة” التاريخية، المعروفة باسم “زنزانات يدي كولة”. وأوضح بكتاش أن الباب كان يؤدي مباشرة إلى تلك السجون التي استمر استخدامها خلال العهد العثماني، مرجحاً أن تكون أعمال الترميم المتعاقبة في القرن الثامن عشر مرتبطة بتسهيل الوصول إليها. وقال إن تتابع الترميمات في عهدي السلطانين أحمد الثالث وعثمان الثالث ربما يعكس أهمية هذا المدخل في حركة العبور نحو السجون ومحيط القلعة. وأشار إلى أن الجانب المواجه للمدينة من الباب كان يضم، حتى وقت قريب، نقشاً بارزاً يحمل أشكالاً تصويرية، لكنه لم يعد موجوداً في موضعه اليوم.

بين قوس عثماني لا يزال قائماً، وممر بيزنطي اندثر، ونقوش توثق أعمال الترميم، يحتفظ باب “يدي كولة” بشواهد على مراحل متعاقبة من تاريخ إسطنبول. ورغم ما فقده من أجزائه الأصلية، يظل الباب أحد المعالم التي تروي تاريخ أسوار المدينة، حين كانت مداخلها تؤدي أدواراً تتجاوز العبور، وتتراوح ما بين حماية التحصينات وتأمين الطرق المؤدية إلى مرافقها الداخلية.