الرئيسيةمحلياتجرأة التفكير والقرار في نهج الأمير...
محليات

جرأة التفكير والقرار في نهج الأمير محمد بن سلمان

05/08/2026 09:03

التشخيص الجريء كبداية للتغيير

لا تعتبر الجرأة عند ولي العهد عكس التروي، بل هي عكس العجز؛ فهي ليست رغبة في مفاجأة الجمهور، بل رفض لرهن المستقبل بطمأنينة الحاضر. من خلال متابعة مقابلاته وخطاباته ومقارنتها بالقرارات التي سبقت توليه ولاية العهد، يبرز نمط فكري متواصل يبدأ بالتشخيص الصريح للمشكلة، ثم كسر الصمت حولها، يليه قرار ينقلها من دائرة الشكوى إلى ميدان السياسة العامة، وبعد ذلك يتحول إلى مؤسسة وبرنامج ومؤشر للقياس.

الإصلاحات الدينية والاجتماعية والاقتصادية

لم تنشأ هذه العقلية في يونيو 2017 فقط، embora أن ذلك التاريخ وسّع نطاق تأثيرها؛ فقد سبقتها إعادة بناء آلية القرار الاقتصادي، وإطلاق رؤية السعودية 2030، وتنظيم عمل هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والبدء في تحويل صندوق الاستثمارات العامة من محفظة ساكنة إلى محرك للاقتصاد الجديد. وفي مقابلته المطولة مع بلومبيرج في أبريل 2016، تحدث عن طرح أرامكو، وتعظيم أصول الصندوق، وتنويع مصادر الدخل، قبل أن تتحول هذه الأفكار إلى سياسات ومؤسسات ووقائع ملموسة. لم يكن سموه يبيع أحلامًا في الهواء، بل كان يكشف مبكرًا عن هندسة الدولة التي يسعى لبنائها.

أول مظاهر الجرأة في تفكيره هو جرأة التشخيص؛ فقد وصف الاعتماد على النفط بأنه يشبه الإدمان، وأشار إلى طاقات سعودية هائلة لم تُستغل بعد، وربط كثيرًا من الاختلالات الدينية والاجتماعية بالتحولات التي تلت عام 1979. هذه ليست مجرد تعليقات إعلامية عابرة؛ لأن القائد عندما يسمي العلل أمام الملأ يزيل عنها حصانة الصمت، ويمنح الدولة والمجتمع الإذن السياسي والأخلاقي لمعالجتها. كان بإمكانه إدارة المشكلات بعبارات مطمئنة، لكنه اختار لغة تحرك الساكن، إذ لا يتحرر المجتمع من مألوفه قبل أن يهتز ثقته في كفاية ذلك المألوف.

ولهذا أصبحت المقابلات جزءًا من عملية القرار، لا مجرد شرح لاحق لها. ففي مقابلات 2016 ظهرت الرؤية؛ وفي مقابلات 2017 جرى شرح كلفة التحول ومواجهة الأسئلة الداخلية؛ وفي حوارات 2018 قدم المشروع للعالم؛ ثم جاءت مقابلة 2021 لتستعرض السنوات الخمس الأولى وتعلن الانتقال من بناء الهياكل إلى تسريع التنفيذ وتطوير منظومة التشريعات؛ أما حوارات 2022 و2023 فقد أظهرت بوضوح أكبر استقلالية الرؤية السعودية في مجالات الدين والاقتصاد والعلاقات الدولية. عبر هذه اللقاءات مارس الأمير نوعًا من التربية السياسية للمجتمع؛ خاطبه بالأرقام، وأشركه في معرفة المشكلة، وواجهه بحقيقة أن الزمن ليس وعاءً محايدًا، بل ثروة قد تضيع.

ويظهر هذا الاتجاه جليًا في قوله إن غالبية السعوديين من الشباب، وأنه لا يرغب في ضياع عقود أخرى في محاربة الأفكار المتطرفة بدلاً من توجيه الطاقة نحو البناء. هنا أصبحت السرعة التزامًا أخلاقيًا تجاه أعمار الناس، لا مجرد سمة إدارية؛ فالالتزام التدريجي فضيل حين يمنع الاضطراب، لكنه يتحول إلى عجز عندما يصبح اسمًا مؤدبًا لتأجيل الضروري. أدرك الأمير أن الانتظار نفسه قرار، وكل عام يؤخر فيه الإصلاح تترتب كلفة على الوظائف والوعي والتنافسية ونوعية الحياة.

في المجال الديني والاجتماعي لم تقتصر الجرأة على قرار منفرد، بل شملت تفكيك شبكة متكاملة من المحظورات المتساندة: إعادة تنظيم صلاحيات هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإتاحة قيادة المرأة للسيارة، وتوسيع حضورها في العمل والسفر والمجال العام، وإعادة السينما والفنون والترفيه، وفتح البلاد للسياحة، ومواجهة خطابات الصحوة والتطرف، ثم تطوير منظومة التشريعات المتعلقة بالإثبات والأحوال الشخصية والمعاملات المدنية.

وأعمق من ذلك، أسهمت هذه القرارات في إعادة التمييز بين حكم الدين وعادة التاريخ، بين الشرعي الثابت والاجتماعي الذي اكتسب قداسة ليست له؛ فلم يكن المشروع إخراجًا للدين من حياة المجتمع، بل تحريرًا للدين والمجتمع معًا من اجتهادات متشددة حولت العادة إلى حكم، والتحفظ الاجتماعي إلى تحريم، والرأي البشري إلى سلطة فوق الدولة. من هنا لم يكن الانفتاح استيرادًا لهوية غريبة، بل استردادًا لطبيعة سعودية اختطفتها مرحلة تاريخية عارضة.

أما في الاقتصاد، فكانت الجرأة أشد تركيبًا؛ لأن القرار الاقتصادي لا يصطدم بالأفكار فقط، بل يمس المصالح والامتيازات وأنماط العيش. فقد شمل طرح أرامكو، وإعادة بناء صندوق الاستثمارات العامة، ومكافحة الفساد، وإعادة هيكلة الدعم، وتنمية الإيرادات غير النفطية، وتطوير قطاعات السياحة والترفيه والتعدين والتقنية والصناعات العسكرية. لم تكن هذه مشروعات متفرقة، وإنما أدوات لإعادة صياغة العقد الاجتماعي: من دولة يحدد حضورها بتوزيع الريع إلى دولة تصنع الفرص وتطلب الكفاءة والعمل والمشاركة.

ولم يعني ذلك تخلي الدولة عن مسؤوليتها الاجتماعية، بل إعادة تعريفها؛ فالمواطن لم يعد يُنظر إليه كمستفيد ينتظر، بل كشريك ينتج ويبتكر ويشارك في بناء الثروة الوطنية.

وتعمل الجرأة بالمنطق نفسه في السياسة الخارجية؛ فقد انتقلت المملكة من الاستجابة المتأخرة للأزمات إلى المبادرة بصناعة الموقف، وأكدت استقلال قرارها في علاقاتها الدولية، ورفضت تسييس القرارات الاقتصادية. هنا يظهر فرق دقيق بين الشجاعة السياسية والعناد السياسي: فالشجاعة ليست أن تبدأ المواجهة ثم تصبح أسيرًا لها، بل أن تعرف متى تواجه، ومتى تصالح، ومتى تغير الأداة مع بقاء الغاية؛ فالقائد الواثق لا يرى مراجعة الوسيلة هزيمة، ولا يجعل هيبته الشخصية قيدًا على مصلحة الدولة.

يمكن الإشارة إلى أن إعادة ترتيب بعض المشروعات، أو تغيير أولويات الإنفاق، أو تأخيرها خطوة حتى تنضج شروطها، لا تنقض جرأة القرار، بل تحميها من التحول إلى مكابرة، وتؤكد المرحلة الثالثة من رؤية 2030 التي بدأت في 2026؛ إذ انتقل التركيز من سرعة التأسيس والتوسع إلى استدامة الأثر وتعظيم العائد ورفع كفاءة الاستثمار.

لقد غير سمو الأمير، في المحصلة، علاقة السعودي بالممكن؛ فما كان يطرح همسًا غدا قرارًا، وما كان يعد صدمة أصبح حياة يومية، وما كان يظن أنه يحتاج إلى أجيال وقع في أعوام، ولذلك لم تكن أعمق آثار جرأة الأمير في عدد القرارات التي اتخذت، بل في انتقال الجرأة من صفة في القائد إلى قدرة في الدولة وثقافة في المجتمع.