الرئيسيةمحلياتالأمن الإعلامي يتحول إلى ركيزة أساسية...
محليات

الأمن الإعلامي يتحول إلى ركيزة أساسية في منظومة الأمن المجتمعي مع تسارع الرقمنة

16/06/2026 09:01

تبدلت المفاهيم المتعلقة بالأمن الإعلامي لتتجاوز حدود المؤسسات الإعلامية التقليدية، وأصبح الآن عنصرًا لا ينفصل عن الأمن الشامل للمجتمع. مع انتشار التحول الرقمي وتوسّع حضور منصات التواصل الاجتماعي، تنتقل الأخبار إلى ملايين المتلقّين في ثوانٍ معدودة، ما يجعل الشائعات أو المعلومات المضللة قادرة على تشكيل الرأي العام وإثارة مخاوف جماعية، وتؤثر في سلوكيات الأفراد اليومية وقراراتهم.

دور الجائحة في إبراز مخاطر التضليل

لم يغب عن الذاكرة ما شهدته جائحة كورونا من انتشار واسع لمعلومات غير دقيقة حول الفيروس، سبل علاجه، واللقاحات المرتبطة به. هذا التدفق المضلل دفع الهيئات الدولية إلى إصدار تحذيرات حازمة بشأن تأثير التضليل الإعلامي على الصحة العامة.

التحديات الرقمية للفبركة والتحقق

شهدت الفترة الحالية ارتفاعًا ملحوظًا في عمليات الفبركة الرقمية، حيث تُنتج صور وفيديوهات يصعب على المتلقّين العاديين التحقق من صحتها. هذا الواقع أبرز الحاجة الملحة إلى تعزيز الوعي الإعلامي وتطوير مهارات التحقق من المحتوى ومصادره.

تقرير الأمم المتحدة ودعوة للوعي

في تقرير صادرت الأمم المتحدة حول مكافحة التضليل الإعلامي، أكدت المنظمة أن المعلومات المغلوطة لا تقتصر آثارها على الصحة العامة والاستجابة للأزمات فحسب، بل تمتد إلى استقرار السلم المجتمعي. وأشارت إلى أن التصدي لهذه الظاهرة لا يتحقق عبر الحظر فقط، بل يتطلب رفع مستوى الوعي وتعزيز القدرة على التحقق من المعلومات كأحد أهم أدوات الحماية في العصر الرقمي.

الجهود السعودية في إطار رؤية 2030

لم يأتِ الاهتمام بالأمن الإعلامي في المملكة العربية السعودية بمعزل عن التحول الرقمي المتسارع الذي تشهده الدولة ضمن رؤية 2030. فقد تمّ بناء بنية متكاملة لحماية الفضاء المعلوماتي وتعزيز موثوقية المحتوى. وشهدت الفترة الأخيرة تطوير الأنظمة المتعلقة بالجرائم المعلوماتية وحماية البيانات، إلى جانب تقوية دور مؤسسات وطنية محورية مثل الهيئة الوطنية للأمن السيبراني والهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، لتكونا ركيزتين أساسيتين في إدارة الفضاء الرقمي وتنظيمه.

تتعامل الجهات المختصة في المملكة مع قضايا التضليل الإعلامي والمحتوى غير الموثوق كأخطاء تمس ثقة المستهلك وسلامة البيئة الرقمية، ولا تُعامل كحوادث عارضة. يأتي ذلك ضمن إطار تشريعي ورقابي شامل يهدف إلى ضبط المحتوى الإعلاني الإلكتروني، ومكافحة الممارسات الخادعة على المنصات الرقمية، وتعزيز الشفافية في السوق الرقمية، ما يضمن حماية المستخدم وتعزيز موثوقية المعلومات المتداولة.

وأكدت الجهات المشرفة على قطاعات الإعلام والاتصالات والتجارة في المملكة أن التعامل مع المحتوى المضلل لا يقتصر على التوجيه أو التحذير، بل يمتد إلى اتخاذ إجراءات نظامية وفرض عقوبات رادعة على المخالفين، لضمان صون المجتمع من آثار المعلومات غير الموثوقة، وترسيخ بيئة رقمية أكثر انضباطًا وثقة.

رغم حجم الجهود التشريعية والتنظيمية، يبقى الأمن الإعلامي مسألة تتطلب أكثر من القوانين؛ فهو يرتكز في جوهره على وعي الفرد وقدرته على التمييز بين الحقيقة والزيف. فالمجتمع الذي يستهلك المعلومات دون تمحيص يظل عُرضة للتأثير بغض النظر عن صلابة المنظومة المحيطة به.

ومن هذا المنطلق، يتضح أن الأمن الإعلامي يُعد امتدادًا طبيعيًا للأمن المجتمعي، ولا يمكن تحقيقه بمعزل عن تكامل المؤسسات وتآزر أدوارها. في زمن تتسارع فيه تدفقات المعلومات وتتنوع أدوات التأثير، تصبح حماية الوعي العام مسؤولية لا تقل أهمية عن أي ركيزة أمنية أخرى، وتستدعي معادلة تجمع بين التنظيم والتشريع من جهة، والوعي النقدي للفرد من جهة أخرى.