معركة خفية تستهدف وعي الجمهور: غزو لا تراه الرادارات

تتطور معالم الصراع المعاصر لتتجاوز ما كان يُعرف بحدود الحروب التقليدية، فبدلاً من الاعتماد على الدبابات أو الطائرات، تسعى بعض القوى إلى اختراق عقول الناس، وإعادة تشكيل طريقة استيعاب الجماهير للواقع. هذا التحول يدفعنا إلى سؤال: هل تغيرت قواعد الحرب لتشمل استهداف الإدراك البشري؟
التسلل إلى الفضاء الإدراكي
تشير المتابعة اليومية المستمرة للإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي إلى أن الجمهور يظل على اتصال دائم بالبيانات، سواء للبحث عن أخبار أو للترفيه أو للتفاعل الاجتماعي. ما لا يدركه الكثيرون هو أن هذا الوجود المتواصل في الفضاء الرقمي يتحول إلى هدف استراتيجي لتغيير مسارات التفكير والسلوك الإدراكي. وفق تقرير صادر عن مركز الابتكار (Innovation Hub) التابع لحلف الناتو، فإن الصراعات الحديثة تجاوزت المجالات الخمسة التقليدية (البَرّ، البحر، الجو، الفضاء، السايبر) لتدخل مجالًا جديدًا يُدعى “الفضاء الإدراكي”.
هندسة الإدراك والاختراق الفردي
في هذا السياق، تُستَخدم علوم مثل علم النفس، والذكاء الاصطناعي، وعلم الأعصاب ليس فقط لاختراق الشبكات التقنية، بل لتوجيه الضربة نحو الفرد نفسه؛ ما يُعرف بـ”اختراق الفرد” (Hacking the Individual). يصبح الوعي الجمعي خط الدفاع الأول أمام حملات هندسة الإدراك، إذ لا يُعاني الجمهور من نقص المعلومات، بل من سيولتها الهائلة التي تُعيد ترتيب الأولويات وتُضخم قضايا هامشية على حساب القضايا الجوهرية.
عندما يُغمر العقل بكم هائل من الأخبار والصور والتحليلات، قد يتراجع قدرته على التساؤل: من صاغ السردية؟ لماذا ظهرت الآن؟ ومن يستفيد من هذا التأويل؟ يظن الفرد أنه يمارس حرية الاختيار، لكنه في الواقع يتبع مسارًا يُعَدُّ إجبارًا طوعيًا صُمِّم لتوجيه الانتباه وتجاهل زوايا أخرى.
السيادة الإدراكية في الخليج
واجهت هذه الهندسة المضللة جماهير صلبة في دول الخليج، حيث أبقى الرأي العام الخليجي تماسكًا واضحًا بفضل الدعم الجماعي للقيادات الحكومية. وعلى الرغم من محاولات شبكات حسابات وهمية وأوكار إلكترونية مضربة لتصعيد الخلافات وإثارة التوترات، ظل التحام الرأي العام مع مواقف حكوماته خط الدفاع الأول ضد تفكيك النسيج الاجتماعي.
تُظهر هذه التجربة أن محاولات زعزعة التماسك الداخلي لا تُعدّ مجرد أحداث عابرة في صراع بين قوى إقليمية، بل تُستهدف منع تكوين موقف موحد وشعبي تجاه القضايا الخليجية الكبرى، ولا سيما فكرة الوحدة الخليجية ومصيرها المشترك.
السيادة السردية والخوارزمية
تُعَدّ السيادة السردية قدرة الدولة والمجتمع على صياغة رواية وطنية واضحة ومصدقة، سواء داخليًا أو خارجيًا. تجلت هذه القدرة في التماس الجماهير الخليجية حول قياداتها وثقتها في قدرتهم على التعبير عن المصالح الوطنية. غير أن السردية وحدها لا تكفي؛ يجب أن تُدعم بوعي معرفي وسلوكي يُعزِّز ما يُسمّى بالسيادة الخوارزمية.
تتحكم خوارزميات المنصات الرقمية في ما يُعرض للمواطن، وما يُحجب، وما يُعاد تكراره، لتُظهر صورة كأنها حقيقة عامة أو أولوية ملحة. بدون إدراك هذه الآليات، يمكن استغلال نقاط الضعف الإدراكية للجماهير لتوجيه الانتباه، وإغذية الشائعات، وصنع نماذج ذهنية صعبة الخروج منها.
إن حماية السيادة الإدراكية لم تعد مسألة ثانوية بل أصبحت ضرورة وطنية ومجتمعية ملحة، تبدأ بتعزيز التفكير النقدي، وكشف الشائعات، وبناء قدرة جماعية على فهم السياقات بعيدًا عن ردود الفعل العاطفية اللحظية.
وبهذا، يصبح الغزو الذي لا يراه الرادار أخطر من أي غزو مرئي؛ فهو لا يقتحم الأرض أولًا، بل يسعى للسيطرة على المعنى وإعادة تشكيل الجماهير من داخلها.





