تعزيز الكفاءات الصحية في القطاع الخاص: من التوظيف إلى خلق القيمة

المسألة الجوهرية لا تقتصر على عدد المواطنين السعوديين العاملين في مؤسسات الرعاية الصحية الخاصة، بل تتعدى ذلك إلى حجم القيمة التي يضيفونها ومدى تمثيلهم في المناصب القيادية التي تدفع بالابتكار والتطوير.
تحول القطاع الصحي الخاص إلى مرحلة جديدة
يشهد القطاع الصحي الخاص في المملكة تحولاً غير مسبوق، لا سيما بعد دخول شركة الصحة القابضة إلى الساحة. لم تعد المنافسة تدور حول المواقع أو المعدات أو البنى التحتية، بل أصبحت ترتكز على جودة الكوادر البشرية. وعلى الرغم من توافر أعداد ضخمة من الخريجين والأطباء والمتخصصين المؤهلين، فإن بعض الجهات ما زالت تنظر إلى التوطين كالتزام تنظيمي دون استغلاله كفرصة استراتيجية.
من شغل الوظيفة إلى بناء المسار المهني
يتجسد التمكين الحقيقي عندما يتحول التركيز من مجرد ملء الوظائف إلى رسم مسارات مهنية واضحة. كثير من الكوادر السعودية لا يغادرون القطاع الخاص بسبب الرواتب فقط، بل بسبب غياب رؤية واضحة لتقدمهم الوظيفي. الموظف الذي لا يملك تصورًا واضحًا لمستقبله خلال السنوات القليلة القادمة قد يختار المغادرة قبل انتهاء العام الحالي.
ثلاث محاور أساسية لتطوير الكفاءات
تتطلب المرحلة المقبلة تبني ثلاثة مسارات متوازية قابلة للتنفيذ:
المسار الأول – ربط التوطين بالتطوير: يمكن للجهات التنظيمية تحفيز المؤسسات التي تُظهر نجاحًا في صقل مهارات السعوديين، ليس فقط في توظيفهم. يجب أن تُمنح أولوية للمؤسسات التي تُعِد قادة وطنيين وتُطلق برامج زمالة وتدريب متقدمة، على أن تُعامل بشكل مختلف عن تلك التي تحقق نسب توطين شكلية فقط.
المسار الثاني – إنشاء مسارات قيادية داخل القطاع الخاص: رغم وجود برامج لتطوير الكفاءات السريرية في كثير من المستشفيات، إلا أن نقص برامج إعداد القادة يبقى واضحًا. من الضروري إرساء برامج وطنية مشتركة بين التجمعات الصحية، الشركات الخاصة، وشركات التأمين لتأهيل المدير الطبي المستقبلي، الرئيس التنفيذي، ومدير الجودة. إن الاستثمار في القادة اليوم سيحدد ملامح القطاع بعد عقد من الزمن.
المسار الثالث – الانتقال من التوظيف إلى الشراكة: الكوادر السعودية تسعى الآن إلى فرص تسمح لها بالمشاركة في اتخاذ القرار وتحقيق الإنجاز، لا إلى مجرد وظائف. يمكن للقطاع الخاص تبني نماذج تحفّز الأداء، وتدعم الابتكار، وتدمج الكوادر في مشاريع تطويرية، مما يعزز الشعور بالانتماء والملكية المهنية.
رؤية مستقبلية للبيانات والمنصة الوطنية
على المدى المتوسط، تتطلب الحاجة إلى منصة وطنية موحدة تُتابع حركة الكوادر الصحية بين القطاعات. في الوقت الحالي، تُعرف أعداد الخريجين، لكن لا تتوفر صورة دقيقة حول دوافع انتقالهم أو استقرارهم أو خروجهم من سوق العمل. إن صياغة سياسات فعالة تبدأ بوجود بيانات موثوقة.
تصدير الخبرات كهدف بعيد المدى
في الأفق البعيد، ينبغي أن يصبح تصدير الخبرات الصحية السعودية هدفًا وطنيًا بحد ذاته. إذا نجحنا في تكوين كوادر قادرة على المنافسة على المستوى الإقليمي والعالمي، فإننا لا نعالج مسألة التوظيف فحسب، بل نبني صناعة معرفة صحية سعودية تمتد إلى ما وراء حدود المملكة.
إن تمكين الكفاءات الصحية السعودية لا يقتصر على ملف الموارد البشرية، بل هو مشروع وطني يرتبط بجودة الرعاية، استدامة القطاع، وقدرته على المنافسة. لا يتحقق النجاح عندما نصل إلى نسبة توطين معينة، بل عندما تصبح الكفاءة الوطنية الخيار الأول بفضل قدرتها على الإنجاز والابتكار والريادة.





