مليار ومئتان وستون مليون شخص يواجهون اضطرابات نفسية عالمياً: تحديات وصوت المجتمع

تشير أحدث الأبحاث إلى أن عدد الأفراد الذين يعانون من مشكلات نفسية قد وصل إلى ما يقارب المليار ومئتين وستين مليون شخص حول العالم. هذا الرقم، الذي يأتي من دراسة علمية نشرت في مجلة The Lancet، يبرز حجم العبء الصحي المتعلق بالرفاهية العقلية في العصر الحالي.
منهجية الدراسة وتغطيتها
التحليل الذي أعدته المجلة استند إلى بيانات من 204 دولة وإقليم، وشمل الفترة الممتدة من عام 1990 وحتى عام 2023. ركزت الدراسة على اثني عشر اضطراباً، من بينها القلق، والاكتئاب الشديد والمزمن، واضطراب ثنائي القطب، والفصام، واضطرابات طيف التوحد، وفرط الحركة وتشتت الانتباه، واضطرابات الأكل، والإعاقة الذهنية النمائية.
حجم العبء النفسي عالميًا
وفقاً للنتائج، تمثل الاضطرابات النفسية نحو 6.1٪ من إجمالي العبء المرضي العالمي، لتصبح بذلك خامس أهم سبب للعبء الصحي على مستوى الكوكب، مرتقبةً مرتبة الثانية عشرة في عام 1990. وعلى الرغم من أن هذه الاضطرابات لا تتسبب في الوفيات المباشرة كأمراض جسدية أخرى، إلا أنها تحرم الأفراد من سنوات عديدة من جودة الحياة، حيث يعيش المصاب في حالة تعب مستمر، يبتسم وهو مثقل، ويؤدي عمله وهو على شفا الانهيار.
الأكثر إسهاماً في العبء
من بين هذه الحالات، برز القلق والاكتئاب الشديد والفصام كأهم المساهمين في رفع العبء النفسي. وتؤكد الدراسة أن هذه الاضطرابات ليست محصورة في فئات محددة، بل قد تصيب الطفل أو الطالب أو الموظف أو الأم أو المسن، وتؤثر سلباً على جودة الحياة، والإنتاجية، والعلاقات، والقدرة على الاستقرار.
الفئات الأكثر تضرراً
أظهر التحليل أن النساء يتحملن نسبة أعلى من العبء مقارنة بالرجال، وأن الفئة العمرية بين 15 و19 عاماً سجلت أعلى مستويات التأثر. وهذا يفرض سؤالاً يتجاوز حدود العيادات إلى المنازل والمدارس والجامعات، حيث لا يكفي الاستفسار عن الدرجات أو الحضور، بل يجب طرح أسئلة حول نمط النوم، والتعامل مع الضغوط، والشعور بالشغف أو المتعة، ومدى وجود من يستمع دون إصدار أحكام.
غالباً ما تظهر أعراض الاضطرابات النفسية في ملامح غير واضحة في مبدئها، مثل اضطراب النوم، فقدان الحماس، القلق غير المبرر، العزلة، سرعة الانفعال أو الشعور بالتعب الداخلي الذي لا يمكن تفسيره.
الوصمة واللغة
تستمر بعض المجتمعات في تأجيل الاعتراف بالمعاناة النفسية حتى تتفاقم لتصبح أزمات حادة. لذا يُشدد الخبر على ضرورة تعديل اللغة المتداولة؛ فمثلاً لا يجوز وصف الطالب القلق بأنه «حساس أكثر من اللازم»، ولا الموظف المرهق بأنه «ضعيف التحمل»، ولا المكتئب بأنه «يفتقر للإيمان» أو «ضعيف الإرادة». فالمعاناة النفسية ليست نقصاً في الشخصية، بل حالة صحية تستدعي الفهم والدعم المبكر.
تحذير منظمة الصحة العالمية
في تقرير صدر في سبتمبر 2025، نبهت المنظمة إلى أن أكثر من مليار شخص يعيشون مع اضطرابات نفسية، وأن هذه الاضطرابات أصبحت من أبرز أسباب الإعاقة طويلة الأمد، ما يفرض عبئاً إنسانياً واقتصادياً ضخماً. تكمن الخطورة في الفجوة بين من يحتاجون إلى الرعاية ومن يحصلون عليها، نتيجة نقص التمويل، وقلة الكوادر المتخصصة، وتدني جودة الخدمات، وصعوبة الوصول إليها.
المبادرات السعودية في مجال الصحة النفسية
تجدر الإشارة إلى ما أحرزته المملكة في هذا المجال. فقد تم توسيع خدمات الصحة النفسية لتشمل أربعة محاور رئيسية: العلاج والرعاية الطبية، والاستشارات الرقمية والهاتفية، والوقاية والتوعية، وحماية حقوق المرضى النفسيين. يمكن للمستفيدين طلب المساعدة عبر الرقم الموحد 937 أو من خلال تطبيق «صحتي». كما أطلق المركز الوطني لتعزيز الصحة النفسية «أطلس خدمات الرفاه والعافية النفسية»، وهو منصة إلكترونية تفاعلية تسهّل الوصول إلى الخدمات داخل إطار رؤية 2030 وبرنامج تحول القطاع الصحي.
على الرغم من هذه الخطوات، يبقى هناك حاجة ملحة لتعميم الصحة النفسية ضمن الرعاية الأولية، وتزويد أطباء الأسرة بأدوات مبسطة لتشخيص الاكتئاب والقلق مبكراً، وتفعيل دور المرشدين في المدارس لاكتشاف علامات الألم قبل تفاقمها، وتوفير خدمات دعم نفسي واضحة في الجامعات.
بيئات عمل وإنسانية أكثر توازناً
يتطلب تحسين بيئات العمل تخفيف الثقافة التي تمجد الانشغال المستمر وتحول الإنتاجية إلى استنزاف للموظف. فالمؤسسة الذكية هي التي تدرك أن الصحة النفسية تمثل رأس مال غير مرئي؛ فإذا تدهورت، تنهار معها الإبداع والولاء والقدرة على اتخاذ القرار.
دور الأسرة والفرد
تبدأ مسؤولية الأسرة بالإنصات؛ فليس كل حزن يستدعي محاضرة، ولا كل قلق يتطلب نصيحة فورية. أحياناً يحتاج الشخص إلى مساحة آمنة يقول فيها «لست بخير» دون أن يُلام على ما يعتقده من ضعف. وعلى الصعيد الفردي، لا يعني الوعي أن يصبح المرء طبيباً لنفسه، بل أن يتنبه إلى إشارات جسمه وعقله مثل جودة النوم، والشهية، والتركيز، والعلاقات، والرغبة في الحياة.
طلب المساعدة في وقت مبكر لا يُظهر استسلاماً، بل يُعَد خطوة شجاعة نحو التعافي.
النداء المجتمعي
إن الرقم الذي يتجاوز المليار لا ينبغي أن يُثير الخوف فحسب، بل أن يُحفز على التحرك. وراء كل إحصائية وجوه لا تُرى: أم تُستيقظ كل صباح مثقلة بالقلق، وطالب يضع ابتسامة على وجهه ليخفي مخاوفه، وموظف ينجز مهامه وهو يحترق داخلياً، ومراهق يعيش في عالم مليء بالشاشات لكنه يشعر بالوحدة الشديدة. الصحة النفسية ليست رفاهية عابرة، بل هي شرط أساسي لحياة كريمة. والقوة لا تكمن في الصمت أو الاستسلام، بل في رفع الأصوات طلباً للمساعدة، وتوفير ملاذ داعم لا يُعرّف بالعار.





