إدارة الازدحام المروري في الرياض: بين التدخلات البيروقراطية وآليات السوق

تحت رعاية صاحب السمو الأمير الدكتور عبدالعزيز بن عياف، وبإطار فعاليات مجمع بصائر لمراكز الفكر، أقام مركز الإدارة المحلية بجامعة الأمير سلطان ندوة متخصصة حملت عنوان «إدارة الازدحام المروري في مدينة الرياض». تناولت الجلسة حالة الحركة المرورية في العاصمة، وعوامل الازدحام، وعرضت حلولاً عملية ومستدامة تتماشى مع أهداف رؤية المملكة 2030 الرامية إلى رفع جودة الحياة وتعزيز كفاءة المدن واستدامة خدماتها.
دور الجامعة في تعزيز الحوار المجتمعي
تأتي هذه الفعالية من جامعة الأمير سلطان كامتداد لرسالتها في خدمة المجتمع، مؤكدةً دورها كمنصة حوارية لتبادل الخبرات وبناء فهم أعمق للقضايا التنموية المحلية. تسعى الجامعة من خلال مثل هذه المبادرات إلى إغناء النقاش العام بآراء علمية تدعم اتخاذ القرار على المستويين المحلي والوطني، وتخدم الصالح العام.
محاور النقاش وتوجهات الخبراء
قدّم المختصون خلال الجلسة مجموعة من الرؤى حول سبل تحسين منظومة النقل الحضري وتعزيز كفاءة إدارة الحركة المرورية، في ظل الزيادة السكانية والعمرانية المتسارعة التي تشهدها الرياض. أظهر التحليل أن معظم المقترحات ركّزت على الجوانب الفنية والهندسية، سواء عبر تحسين إدارة الحركة أو توسيع البنية التحتية، بينما أُهملت إلى حد كبير الجوانب الاقتصادية والسلوكية التي لا تقل أهمية في تفسير الظاهرة وإيجاد حلول لها.
على الرغم من النجاحات التي حققتها التدخلات الفنية في تحسين سلاسة المرور، فإنها لا تكفي لتوفير حلول طويلة الأمد. غالباً ما تقتصر الإجراءات الحالية على تنظيم الطلب عبر تقييد الدخول إلى بعض الشوارع الرئيسية، ضبط توقيت الإشارات وتطبيق ما يعرف بـ«الموجة الخضراء»، أو تشجيع أنماط العمل المرنة والنقل العام. كما تُعنى الجهود بعرض الطريق من خلال إنشاء طرق وجسور جديدة وتوسيع السعة الاستيعابية.
الاعتبارات الاقتصادية والسلوكية في تخصيص الموارد
تكمن المشكلة الأساسية في كيفية توزيع مورد محدود – الطريق – بين مستخدمين تختلف احتياجاتهم وأولوياتهم. عندما يتجاوز الطلب القدرة الاستيعابية للطرق، يبرز سؤال أساسي: من يحصل على أولوية الاستخدام؟ وكيف يمكن التفريق بين رحلات ذات فائدة اقتصادية عالية وتلك التي تحمل تكاليف تأخير مرتفعة؟
ففرض أن جميع مستخدمي الطريق متساوون في حاجاتهم لا يعكس الواقع. فهناك رحلات طارئة تستدعي أولوية قصوى، مثل مركبات الإسعاف والإطفاء والأمن، وهناك مستخدمون تعتمد قيمتهم الاقتصادية على الوقت بشكل كبير، بحيث يتسبب التأخير في خسائر مهنية ومالية كبيرة. إدراك هذا التباين في الأولويات والقيمة الزمنية يشكل قاعدة لتبني سياسات أكثر واقعية في إدارة الازدحام، بدلاً من الاعتماد فقط على توسيع السعة أو تحسين التدفق.
آلية السوق كبديل لإدارة الطلب
يتسم النهج البيروقراطي بالتحكم المتساوي في تقديم الخدمة، وهو ما قد يؤدي إلى إهدار المنافع المحتملة إذا ما وُزع حق استخدام الطريق على الجميع بصورة متساوية. بالمقابل، توفر آلية السوق وسيلة لتحديد تفضيلات الأفراد عبر نظام تسعير يربط تكلفة الاستخدام بالمنفعة المتحققة.
يمكن تنفيذ هذا النموذج من خلال تخصيص مسارات سريعة على الطرق الرئيسية خلال فترات الذروة، تُتاح لمن يرغب في تقليل وقت الرحلة مقابل رسوم مرنة تتغير بحسب مستوى الازدحام. ترتفع الرسوم مع زيادة الطلب وتتناقص مع انخفاضه، ما يعزز انسيابية الحركة ويربط تكلفة الاستخدام بحجم الفائدة التي يحصل عليها السائق.
كما يمكن توجيه النظام لتحقيق أهداف اجتماعية وبيئية، عبر منح المركبات ذات الركاب المتعدد أو تلك التي تشارك في خدمات النقل الجماعي حق المرور عبر المسار السريع مجاناً أو برسوم مخفضة في أوقات محددة، مما يدعم تقليل الاعتماد على السيارات الفردية.
آفاق مستقبلية وتوصيات
تستلزم معالجة الازدحام المروري تبني استراتيجية نقل شاملة وإطار حوكمة محلية يوازن بين الأهداف الاقتصادية والاجتماعية والبيئية للرياض. يُقترح فتح المجال أمام القطاع الخاص للاستثمار في بناء وتشغيل طرق سريعة وبديلة داخل المدينة.
على المدى القريب، يُنصح بإطلاق مشاريع تجريبية لتخصيص مسارات سريعة على أكثر الشرايين ازدحاماً، مع اعتماد نظام تسعير ذكي، وإعادة توجيه عائدات هذه الرسوم إلى تحسين وتطوير بدائل النقل العام. من خلال هذه الخطوات، يمكن بناء منظومة تنقل أكثر كفاءة واستدامة تخدم احتياجات جميع المستخدمين.





