الرئيسيةكتاب و آراءدعوة لهدم جدران التخصص: نحو منهج...
كتاب و آراء

دعوة لهدم جدران التخصص: نحو منهج تعليمي يوحد المعرفة بسؤال وجودي واحد

يتساءل طالب في الرابعة عشرة: «غدا عندما أعمل في مصنع، ماذا أفعل بمعلقة عنترة؟ أو عندما أصبح رجل أمن، فيم يفيدني علمي بمكونات مذنب هالي؟ وهل سأستفيد من معرفتي بتاريخ الخلفاء العباسيين عندما أعمل بالتجارة؟ وهل من مكان للنظرية النسبية الخاصة في المستشفى عندما أعمل فيه؟».

هذه التساؤلات، بحسب كاتب المقال الذي أمضى أكثر من ربع قرن في التعليم العام، تتردد على ألسنة الطلاب جيلاً بعد جيل، رغم تغير المناهج الدراسية أكثر من مرة. ويتساءل الكاتب: هل المعرفة مجرد قطع متناثرة لا رابط بينها، أم هي كخرز عقد يجمعها خيط واحد ويظهرها بيد تنسقها بأحسن صورة؟

من شرارة السؤال الأول إلى تجزئة المعرفة

يبدأ الكاتب بتأصيل فكرة أن السؤال الوجودي – من أنا؟ وما الغاية من وجودي؟ – كان الشرارة التي أطلقت العقل البشري في رحلته لكشف شفرة الوجود، قبل ظهور المدارس والجامعات والمختبرات. وفي الحضارة الإسلامية، لم يكن هذا السؤال ترفاً فلسفياً، بل كان أصل المعرفة كلها، مستشهداً بالآية القرآنية: «أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت * وإلى السماء كيف رفعت * وإلى الجبال كيف نصبت * وإلى الأرض كيف سطحت». ويشير إلى أن هذا السؤال جامع يربط بين الجمل والسماء والجبال والأرض في سياق واحد، ويربطها كلها بالخالق.

لكنه يتساءل: ماذا فعلنا بعد ألف عام من هذا الإشراق؟ لقد دخلنا إلى أبنية نسميها مدارس وجامعات، وحولنا ذلك السؤال الكبير إلى مئات الشظايا المتحجرة: مادة أحياء لدراسة الإبل، ومادة علوم فضاء لدراسة الفلك، ومادة جغرافيا لدراسة الجبال والأرض. ثم وضعنا كل شظية في غرفة منعزلة وأغلقنا الأبواب، متناسين أن الآية لا تعرف هذه الجدران. وصار الطلاب يتعلمون شظايا لكنهم نسوا الآية، ونسوا أن الإبل والسماء والجبال والأرض كانت في كلام الله جملة واحدة، لأنها في الوجود والحقيقة جملة واحدة، تشير إلى الخالق الواحد. لقد قطعنا المعرفة الحية إلى أوصال، ثم تعجبنا لماذا صارت جثة هامدة ولماذا يسأل الطلاب بمرارة: لماذا ندرس هذا؟ ويرى الكاتب أن هذه ليست أسئلة تمرد، بل صرخات فطرة تبحث عن الربط الإلهي الغائب، عن الوحدة التي أدركها الأجداد حين كان «الفقه» يعني الفهم الشامل لأمر الدين والدنيا.

إلغاء عزلة التخصصات: منهج قائم على أسئلة وجود كبرى

يطرح الكاتب فكرة جريئة وجذرية: إلغاء عزلة التخصصات الدراسية تماماً، واستبدالها بمنهج تعليمي يقوم على أسئلة وجود كبرى مستمدة من الوحي الإلهي. لا مادة اسمها فيزياء وحدها، ولا تاريخ وحده، ولا أدب وحده، بل هناك سؤال قرآني كوني كبير تذوب فيه الحدود بين المعارف، كما تصب قنوات الأنهار في البحر.

يتصور الكاتب طالباً في الرابعة عشرة يعيش عاماً دراسياً كاملاً عنوانه سؤال واحد: ما معنى الاستخلاف في الأرض؟ في هذا الأسبوع، يدرس قوله تعالى: «إني جاعل في الأرض خليفة»، ويتدبر تفسيرها عند الطبري وابن كثير والرازي، ثم يقرأ في الفلسفة عن مفهوم المسؤولية الأخلاقية، وفي علم الاجتماع عن دور الإنسان في العمران كما شرحه ابن خلدون، وفي علم البيئة عن التوازن الطبيعي الذي أمر الله بعدم الإفساد فيه، وفي الاقتصاد عن معنى الرزق والعدالة، وفي العمارة والفن الإسلامي عن تجسيد إعمار الأرض بالجمال والأنسنة، ثم يطلع على تأملات القديس أوغسطين والفارابي ودوستويفسكي. هنا يلتقي التفسير بعلم الاجتماع، ويمتزج الفقه بالاقتصاد، وتقف الفيزياء إلى جانب الأخلاق، كلبنات في بناء واحد هو الاستخلاف في الأرض. الطالب هنا لا يسأل عن فائدة دراسة دورة المياه في الطبيعة، لأنه يفهم أنه إن أفسدها فقد خان أمانة الاستخلاف.

ويتخيل الكاتب مساراً آخر بعنوان «كيف قامت حضارتنا؟ وكيف تسقط الحضارات؟». هنا لا يدرس الطالب تاريخ الأندلس كوقائع جامدة لحفظها للامتحان، بل يمسك بمشرط الجراح لتشريح جثة حضارة سقطت؛ ليتعلم كيف يبقي على حضارته حية. يدرس إلى جانب التاريخ جيولوجيا الموارد ونضوبها، وعلم اجتماع التفاوت الطبقي، ويقرأ شعر أبي البقاء الرندي «لكل شيء إذا ما تم نقصان…»، ويتأمل في فلسفة التاريخ عند الماوردي وابن خلدون، ودور العقيدة في تحصين العقول ضد الاحتلال الثقافي. إنه لا يدرس مواد، بل يبحث عن إجابة لسؤال واحد يحرقه: كيف نصنع مجداً لا يسقط؟

تحول جذري في دور المعلم والطالب

هذا التحول يقلب موازين التعليم قلباً، بحسب الكاتب. يحول المعلم من موظف ينقل معلومات متحجرة إلى عالم رباني مرب، يجلس مع زملائه ليسألوا معاً: كيف نفهم قوله تعالى «والشمس تجري لمستقر لها»؟ فيزيائياً وإيمانياً. وتجلس معلمة الأحياء مع معلمة الفقه لتسألا: متى تبدأ الحياة بيولوجيا؟ ومتى تتعلق بها الأحكام الشرعية؟ سيتحول المعلمون إلى طلاب علم كبار يعلم بعضهم بعضاً أمام أعين الطلاب، نموذجاً حياً للتواضع الفكري. أما الطالب، فسيتحول من مراهق تائه إلى شاب يدرك أنه المخلوق المستخلف في الأرض، حامل أمانة عظيمة، فيصبح التعليم عبادة، والبحث العلمي مفتاحاً للأفكار، والمدرسة محراباً للفكر لا سجناً للأسئلة.

لكن الكاتب يدرك أن هذه الدعوة ستتصطدم بجدران غليظة: بيروقراطية وزارية تخشى تغيير الجدول والامتحان، وخبرة المتخصص الضيق الذي أمضى عمره في بئر معرفي واحد، وخوف الأهالي: كيف سيدخل ابني كلية الطب؟ ويرد الكاتب: أي طبيب تريد؟ أتريد طبيباً يرى المريض مجموعة أعضاء منفصلة، أم طبيباً يرى فيه إنساناً مكرماً استخلفه الله، له روح قبل أن يكون له جسد؟ ألسنا نشكو من مهندسين خربت عمارتهم روح المدن الإسلامية، وأطباء نسوا أن الشفاء بيد الله، وقانونيين فصلوا القانون عن روح الشريعة؟ لقد صنعهم النظام التعليمي القائم على تقطيع المعرفة.

العودة إلى النموذج الموسوعي: ربط الآفاق والأنفس

ويشير الكاتب إلى أن أجدادنا كانوا موسوعيين لأنهم فهموا أن المعرفة كل لا يتجزأ، يشير إلى الواحد الأحد. كان ابن سينا طبيباً وفيلسوفاً وفقيهًا وفيزيائياً وشاعراً، لأنه كان يبحث عن الحقيقة الواحدة. وكان الغزالي فقيهاً ومتكلماً وفيلسوفاً ومربياً، لأنه كان يبحث عن اليقين. وكان البيروني رياضياً وفلكياً ومؤرخ أديان وجغرافياً، لأنه كان يتدبر قوله تعالى: «وفي الأرض آيات للموقنين * وفي أنفسكم أفلا تبصرون». لقد أدركوا أن الآيات في الآفاق والأنفس تقرأ معاً، لا أن تقرأ آيات الأنفس في كلية الطب وآيات الآفاق في كلية العلوم وبينهما سد منيع.

ويختم الكاتب: لقد قتلنا الحكمة حين قطعنا المعرفة، وحولنا لوحة الخلق الفنية إلى قطع متنافرة. ثم نتعجب لماذا ضعف الإبداع وماتت الدهشة. آن الأوان لهدم الجدران الوهمية التي بناها جهلنا، آن الأوان لإعادة ربط سؤال «من أنا؟» بسؤال «من خلقني؟» وبسؤال «ماذا أفعل في هذه الأرض؟». آن الأوان لنقول لأبنائنا: لن نعلمكم مواد، بل سندخل معكم في رحلة للبحث عن الحقيقة، في المدرسة النبوية التي كان غار حراء أولى حصصها، حين نزل الوحي بمفتاح العلم الأول: «اقرأ باسم ربك الذي خلق». اقرأ لا الرياضيات وحدها ولا النحو وحده، اقرأ باسم ربك الذي خلق كل شيء، ففي هذا الاسم الأعظم تتوحد كل العلوم، وتبدأ كل حكمة، وينبلج فجر كل حضارة.