تحديات الندية العلمية بين الأساتذة وطلبة الدراسات العليا

من المفترض أن تكون الساحة الأكاديمية مساحة حرة للمعرفة تسمح بالحوار وتبادل الآراء، وأن تُبنى العلاقة بين الأستاذ الجامعي وطالب الدراسات المتقدمة على مبدأ التكامل الفكري. غير أن ما يُشار إليه الآن بـ«أزمة الندية العلمية» يظهر عندما يتعامل بعض الأكاديميين مع طلابهم بتعالي، رغم أن هؤلاء يتمتعون بقدرات نقدية وإبداعية ملحوظة.
انتشار الظاهرة في العلوم الإنسانية
تتجلى هذه الأزمة بصورة أوضح في مجالات مثل علم النفس، والاجتماع، والأدب، والفلسفة، والفنون، والتاريخ، وإدارة الأعمال، وغيرها من التخصصات التي تعتمد على تراكم المعرفة والاجتهاد العقلي بدلاً من المعطيات الرقمية الجامدة. إن إبداء الرأي الشخصي للباحث يُعد جزءاً أساسياً من عملية البحث، إلا أن طلبة الدراسات العليا قد يواجهون ضغوطاً غير معلنة عندما يسعون لتقديم تفسيرات جديدة أو آراء مستقلة.
شهادات طلابية عن ممارسات ضاغطة
أحد طلاب الدكتوراه صرح بأنه قدم بحثاً إلى مشرفه، وأضاف فيه وجهة نظره الخاصة معتقداً أنها تضيف قيمة علمية، لكن الأستاذ ردّ عليه قائلاً: «يا ليت تحتفظ برأيك لنفسك». وطالبة أخرى اتُهمت من قبل أستاذتها بالسرقة الأدبية واستخدام تقنية «ChatGPT»، رغم أنها كانت قد ناقشت الفكرة مع المشرف وعملت وفق المعايير العلمية المطلوبة. كما ذكر طالب آخر أن مشرفه أبلغه بأن إكمال الدكتوراه لن يكون ممكناً ما لم يبقَ هو في القسم.
الفجوة بين التجربة الأجنبية والمحلية
يذكر عدد من الأكاديميين الذين تلقوا دراساتهم العليا في جامعات غربية أن تجربتهم مع أساتذتهم في تلك المؤسسات كانت تتسم بالمرونة والتسهيل في الواجبات والنقاشات، وأن اللقاءات كانت تتمتع بحرية أكبر. يتساءلون لماذا لا تُعكس تلك الأساليب في تعاملهم الحالي مع طلابهم في الوطن العربي.
تحليل جذور المتلازمة
يُعزى هذا النمط إلى شعور بعض الأساتذة بالاستعلاء أو الغيرة المهنية أو ضعف الشخصية. فبدلاً من اعتبار الطالب مرشحاً أكاديمياً يسعى للدعم والتشجيع، يتعامل معه كعقبة تُقوَّم وتُعَرَّض للضغط. وبالتالي تتحول الجامعات من مراكز لإنتاج المعرفة إلى بيئات تشجع التلقين وتخاف من الاجتهاد.
المشكلة ليست في الاختلاف العلمي ذاته، إذ إن الاختلاف يُعد محركاً للتطور، بل في الشخصية والحساسية التي يبديها الأستاذ تجاه الأفكار الجديدة. هذا يدفع بعض الطلبة إلى تجنّب النقد والاعتماد على النسخ والاقتباس لتفادي العوائق.
لا يمكن للبحث أن يزدهر إلا بوجود حوار علمي حر؛ وإلا سيظل الطالب مجرد منفذ للمعرفة دون فرصة لتفعيل التفكير. أما الأكاديمي الحقيقي فلا يهاب تفوق طلابه، بل يراه امتداداً لنجاحه الخاص.
دعوة لتعزيز أخلاقيات الإشراف
تتجلى الحاجة الآن إلى إرساء قواعد أخلاقية للإشراف الأكاديمي تشجع على تقبل الرأي المختلف ما دام مستنداً إلى المنهج العلمي ومُحترماً في السياق المعرفي. إن تنوع الأفكار يثري المؤسسة الأكاديمية ويمنحها حيوية، بينما البيئة التي تُقمع الاجتهاد تُنتج باحثين مجرد نسخ غير قادرين على إبداع المعرفة وتطويرها.





