فاحص العقار الفرد: بين جاذبية السرعة وغياب المسؤولية الواضحة

يرى المهندس حسين السلامين أن ثلاث عوامل رئيسية تدفع المشتري إلى التعامل مع الفاحص الفرد، وهي السعر، وسرعة الاستجابة، وقوة التسويق عبر منصات التواصل الاجتماعي. وأوضح أن البعض يشاهد إعلاناً لفاحص يعرض أجهزة حديثة ومقاطع مصورة لاكتشاف العيوب، فينشأ لديه انطباع بأن صاحبه يملك الخبرة الكافية، لكن الحقيقة أن الأجهزة وحدها غير كافية، فالفحص يتطلب معرفة فنية وخبرة ميدانية وقدرة على تحليل النتائج، وليس مجرد رصد ملاحظات وتصويرها.
وشدد السلامين على أن العمل الفردي ليس مشكلة في حد ذاته، إذ قد يكون الفاحص الفرد مؤهلاً ومرخصاً ويمتلك خبرة عالية، لكن المشكلة تظهر عندما يُبنى الاختيار على الإعلان أو السعر بدلاً من الكفاءة والاعتمادية.
الحاجز النفسي والقرب من العميل
من جهته، أضاف المهندس عمار ناصر البطاط بعداً نفسياً وتسويقياً، موضحاً أن ظهور المهندس الفرد بوجهه وشخصيته على المنصات يكسر الحاجز النفسي ويجعله يبدو أكثر صدقاً وقرباً من العميل، مقارنة بالشركات التي تظهر واجهتها عبر إعلانات عامة. وتابع أن العميل الذي يتابع فاحصاً فرداً يضمن أن هذا الشخص بعينه سينزل إلى الميدان ليفحص عقاره، بينما قد يشعر العميل مع الشركات بالقلق لعدم معرفته المسبقة بالمهندس الذي سيُوجَّه إلى الموقع.
الفارق السعري وماذا يشتري العميل
حول متوسط الأسعار، أكد المختصون صعوبة تحديد رقم عادل دون دراسة سوقية. وأوضح السلامين أن الأسعار تختلف بحسب مساحة العقار ونوعه وعمره ونطاق الفحص والأجهزة المستخدمة، فقد تكون بعض الخدمات الفردية أقل تكلفة بسبب انخفاض المصاريف التشغيلية، بينما ترتفع تكلفة بعض المكاتب نتيجة وجود فرق فنية متخصصة وإجراءات مراجعة وضبط جودة. ووجّه رسالة إلى المشتري: “لا تقارن السعر فقط، بل قارن ما الذي ستحصل عليه مقابل المبلغ؟ هل يشمل الفحص العناصر الإنشائية والكهربائية والميكانيكية؟ وهل التقرير يحدد مستوى خطورة العيوب والتوصيات؟”
ووافق البطاط على أن السعر الأقل للفرد يقابله فحص يعتمد على خبرة شخص واحد، بينما سعر الشركة – وإن كان أعلى – يغطي تقريراً متكاملاً من فريق متعدد التخصصات.
المرونة… بين الميزة والمخاطرة
اتفق المتحدثان على أن الفاحص الفرد يتمتع بمرونة أكبر. وقال السلامين: “قد يكون أسرع في تحديد الموعد وأكثر مرونة في التفاوض، لكن فحص المبنى يحتاج وقتاً كافياً ومنهجية واضحة وأحياناً أكثر من تخصص هندسي، وقد لا يستطيع شخص واحد تغطية جميع الجوانب بالكفاءة المطلوبة. السرعة ميزة، لكن إذا جاءت على حساب الدقة تتحول إلى مخاطرة”.
وفسّر البطاط هذه المرونة بأن الفرد يعمل لنفسه والعائد له بالكامل، مما يجعله مستعداً للعمل في أي وقت خارج الدوام الرسمي، كما يملك الصلاحية المطلقة لخفض السعر فوراً دون الرجوع إلى إدارة، بعكس مهندس الشركة المرتبط بتسعيرة مؤسسية.
ظهور العيوب وتحديد المسؤولية
أوضح السلامين أن المسؤولية ليست تلقائية على طرف واحد، وإنما تعتمد على طبيعة العيب ونطاق الفحص المتفق عليه ومحتوى التقرير ومدى وجود خطأ أو إهمال مهني، وكذلك مسؤوليات البائع والمطور والمقاول. وأضاف أنه إذا ثبت أن الفاحص ارتكب خطأً مهنياً أو أغفل عيوباً كان يفترض اكتشافها ضمن نطاق عمله، فقد تترتب عليه مسؤولية وفق الأنظمة والعقود، أما إذا كانت العيوب مخفية ولا يمكن اكتشافها بالفحص المتفق عليه فالوضع يختلف ويحتاج تقييماً فنياً وقانونياً. وقال إن عبارة “المبنى سليم” لا تعني ضمان خلو المبنى من جميع العيوب المخفية التي قد تتطلب اختبارات متخصصة.
وكشف البطاط عن إشكالية قانونية خطيرة يسميها “التستر الهندسي”، قائلاً: “وفق الأنظمة، استخراج رخصة البناء يستوجب وجود عقد إشراف رسمي مع شركة هندسية معتمدة. وفي حال وجود تلاعب، كأن يقوم فاحص فرد بالعمل في الباطن تحت مظلة واسم شركة هندسية لتمرير التقرير، فإن القانون يُحمّل الشركة المسجل اسمها رسمياً كامل المسؤولية القانونية والجنائية عن أي غش أو عيوب تظهر لاحقاً، وليس الفرد المنفذ في الباطن”. وحذّر من أنه إذا عمل الفرد بصفة مستقلة تماماً دون جهة اعتبارية (سجل تجاري، تصنيف، مقر ثابت)، يصبح تتبعه وإلزامه بالتعويض شبه مستحيل بعد إتمام البيع.
ونوّه السلامين إلى وجود شهادات واعتمادات رسمية عبر برنامج البناء المستدام، منها “فاحص بناء معتمد” و”فاحص مباني جاهزة”، ويمكن للأفراد الحصول عليها بشروط محددة عبر حضور دورات واجتياز اختبارات. واختتم برسالة: “شراء المنزل هو استثمار العمر، ومن غير المنطقي أن نبني قراراً بملايين الريالات على إعلان جذاب أو تقرير منخفض التكلفة دون التحقق من كفاءة من أعدّه. أنا لست ضد الفاحص الفرد، بل مع الفاحص المؤهل والمرخص، سواء أكان فرداً أو ضمن مكتب هندسي. جودة الفحص لا تقاس بعدد الأجهزة ولا بعدد المتابعين، وإنما بخبرة الفاحص ومنهجيته ومصداقية تقريره. ليس كل مشهور خبيراً، وليس كل خبير مشهوراً”.





