جهود المملكة في مكافحة المخدرات.. من الوقاية إلى البحث العلمي

في 26 يونيو من كل عام، تحيي الدول ذكرى اليوم الدولي لمكافحة المخدرات، والذي أقرته الأمم المتحدة في عام 1987. وتستحق المملكة العربية السعودية في هذه المناسبة وقفة تقديرية لدورها البارز في هذا المجال على الصعيد العالمي، حيث جاءت شهادة الأمم المتحدة في أحدث تقاريرها بأن المملكة تحتل المرتبة الثالثة عالمياً في مكافحة المخدرات، وتصنف ضمن الدول التي يصعب اختراقها. تعكس هذه المكانة صورة مشرقة للجهود المتواصلة التي تبذلها المملكة لمواجهة هذه الآفة، مع التركيز على الوقاية بوصفها وسيلة أساسية لتعزيز مناعة المجتمع.
إشادة أممية بجهود المملكة
وفقاً لتقرير أممي حديث، تبوأت المملكة المرتبة الثالثة عالمياً في مجال مكافحة المخدرات، مما يجعلها من بين الدول الأكثر تحصيناً ضد هذه الآفة. يأتي هذا الإنجاز تتويجاً لاستراتيجية شاملة تضع الوقاية في المقدمة، إدراكاً من القيادة الرشيدة بأن حماية المجتمع تبدأ قبل وصول الخطر.
الشباب في قلب المعركة
تشير الإحصاءات إلى أن فئة الشباب هي الأكثر تأثراً بالمخدرات؛ حيث يكشف مشروع “نبراس” أن 61% من المتعاطين بدأوا بـ”التجربة الأولى” التي أوهمتهم بأنها لن تتكرر. أمام هذا الواقع، لا تكفي العبارات البراقة عن “رفع الوعي” ما لم تترجم إلى أفعال مجتمعية قريبة من المدارس والجامعات والبيوت والشباب أنفسهم. فالمخدرات لا تدخل حياة الإنسان فجأة، بل تبدأ أحياناً من فراغ لم يملأ، أو صحبة سيئة، أو ألم نفسي صامت، أو فضول لم يجد من يرشده. لذا، فإن المواجهة الحقيقية لا تنطلق من العلاج فحسب، بل تسبقه بمراحل؛ عند الوقاية والاكتشاف المبكر والحوار الصادق بشفافية واعية دون وصمة.
كرسي علمي لمكافحة الإدمان
في هذا السياق، تبرز رؤية ورسالة كرسي د. منال فقيه العلمي “دراسات في علاج تعاطي مواد الإدمان وإعادة التأهيل” كمبادرة وطنية تحت مظلة أكاديمية وبحثية. ما يميز هذا الكرسي أنه لا يعالج القضية كمناسبة عابرة، بل كمسؤولية مستمرة تجمع بين مستهدفات بحثية وأنشطة تدريبية وتوعوية وأكاديمية، إضافة إلى المشاركات المجتمعية. في مبادرة “الموجه الطلابي”، ركز الكرسي على من يقفون في الخطوط الأمامية مع الطلاب، فالمرشد الطلابي قد يكون أول من يلتقط تغيراً مقلقاً في السلوك، أو عزلة مفاجئة، أو تراجعاً دراسياً. وعند منح هذا الموجه أدوات الفهم والوعي والتعامل الأمثل مع هذه الحالات، فإن ذلك لا يقتصر على تدريب شخص واحد، بل يفتح باب نجاة مبكراً لكثيرين. وفي مبادرة “هاكاثون جدة: من أجل مستقبل بلا إدمان”، كان الهدف أعمق: الشباب ليسوا مجرد فئة نتوجه إليها بالتحذير، بل هم شركاء في صياغة الحلول. حين يفكرون ويبتكرون، يصبح الوعي جزءاً منهم، لا خطاباً يلقى عليهم من بعيد.
الوقاية قبل العلاج
أما ركيزة البحث العلمي، فتحتل مكانة أساسية ضمن أهداف الكرسي، لأن القضايا المعقدة لا تفهم بالانطباعات أو الملاحظات وحدها. نحن بحاجة إلى بيانات ودراسات موثوقة تكشف حجم المشكلة وأنماطها وعوامل الخطر، وخططاً وقائية وعلاجية قائمة على البراهين. وهنا يأتي دور الكرسي في إنشاء مساحة خاصة تربط بين القطاع الأكاديمي والمجتمع. الوقاية قد لا تكون صاخبة، ولن تحقق أثرها في وقت قصير أو أمام الكاميرات، لكنها أصدق أشكال الحماية. الانتباه قبل سقوط أبنائنا في أول تجربة تحت وهم أنها لن تتكرر، والاستماع بتفهم دون وصمة قبل الانكسار، ومد يد العون قبل أن تصبح المشكلة أكبر من أن تحتوى. في هذا اليوم، السؤال الأهم ليس: هل نعرف أن المخدرات خطر؟ بل: هل نصل إلى أبنائنا مبكراً وبالأسلوب الذي يطمئنون إليه؟ هل نخفف الوصمة عن من يحتاج المساعدة؟ هل ندرب من يستطيعون الاكتشاف المبكر؟ هل ندعم المبادرات التي تعمل بصمت وجدية قبل أن تصل الخسارة إلى بيوتنا؟ هذا ما يجعل دور كرسي د. منال فقيه العلمي بارزاً؛ ليس لأنه يملك كل الإجابات، بل لأنه اختار الطريق الأصعب: أن يعمل من أجل مجتمعنا قبل الكارثة وأثناءها، لا بعدها.





