الرئيسيةكتاب و آراءتأملات في مفهوم الدولة عند العربي...
كتاب و آراء

تأملات في مفهوم الدولة عند العربي القديم: بين الإسلام والإيمان

25/06/2026 09:01

تطرح هذه المأدبة سؤالاً ضمنياً حول كيفية إدراك العربي لمفهوم الدولة، وهو الذي كان يشهد تحولات التاريخ عبر محوري المال والحرب. كما تدفعنا المأدبة إلى مواجهة سؤال سبق أن طرحه العربي في مرحلة ما: ما الفرق بين الإسلام والإيمان؟

الفرق بين الإسلام والإيمان في التراث

من الأحاديث المتواترة أن جبريل عليه السلام، وهو يسأل النبي صلى الله عليه وسلم، ميز بين الإسلام والإيمان والإحسان، حيث جعل الإسلام مرتبطاً بالأعمال الظاهرة، والإيمان بالأعمال الباطنة، والإحسان بما فوق ذلك، ولكل منها أركانه المستقلة. وهذا يؤكد دلالة الآية الكريمة: «قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا»، أي أنهم عملوا بالظاهر ولكنهم تركوا الباطن. لكن السؤال العجيب هو عكس المسألة: هل يمكن أن يوجد إيمان بلا إسلام؟

عندما رفض الرافضون فكرة وجود إيمان دون إسلام، كانت حجتهم أن المؤمن يتجه تلقائياً إلى أداء أركان الإسلام. ولكن ماذا لو أدى الشخص الأركان بعيداً عن أعين الرقيب؟ على سبيل المثال، لو أراد الصلاة بمفرده، أو قال إنه لا ينطق بالشهادتين ولا يُسمعها لأحد بل ينويها في قلبه فقط؟

الحرص على الظهور: تأسيس مفهوم الدولة

يروى أن رجلاً أعمى سأل النبي صلى الله عليه وسلم: ليس لي قائد يقودني إلى المسجد، فهل أصلي في البيت؟ فقال له النبي: هل تسمع النداء؟ قال: نعم، قال: أجب. لماذا هذا الحرص على أن تكون أركان الإسلام مرئية؟ ربما لأنها في حد ذاتها، عند العرب، تشكل مفهوم الدولة. فالأداء الظاهري الذي ينظم اليوم والليلة يتحول إلى سلوك مبرمج، كجندي في جيش أو موظف تحت هيكلية بيروقراطية.

وهذا ما دفع العربي القديم إلى طرح السؤال: هل الإسلام هو الدولة؟ والإيمان هو الدين؟ ومن المعروف أن العربي القديم لم يكن يسأل عن ماهية الدولة، لكنه كان يفهمها بالفعل، أي يراها تتجلى في السلوك الجماعي بين الحرب والمال. فدولة المال، التي كانت ملعباً لفئات وأفراد، جاء ركن الزكاة لينظم هذه الفردية ويحولها إلى شأن جماعي. أما دولة الحرب، التي لا تقوم إلا بالحشد، فقد جاءت الصلاة لتؤسس لها بتجنيد يومي. وجاء ركن الصوم ليضبط غريزة الجسد بتوقيت جماعي، فلا يأكل الفرد إلا إذا أكلت الجماعة، ولا يمسك إلا إذا أمسكت. وجاء ركن الحج ليكون بمثابة مؤتمر جيوسياسي، حيث تتجه القبائل إلى عاصمة الدولة، لتتجرد من ألوانها وتلبس البياض. وكل ذلك شرطه الحس وقوامه الجماعة.

وبناءً على ذلك، قد يكون الإسلام هو هيكل الدولة عند العربي العتيق، بينما الإيمان هو الدين نفسه، ولكل منهما أركانه. إذن، لفظ الدولة الآتي من جذر (دال يدول) المشبع بمعنى التداول والانتقال والزوال، صار بأركان الإسلام لفظاً ثابتاً.

تفكك الهيكل الاجتماعي وظاهرة «الدين بالقلب»

إلا أن هذا الثبات لم يلبث أن (دال) من جديد مع تفكك الهيكل الاجتماعي بحسب عوامل كل زمن، حتى تغير كلياً بفعل الحداثة وصدمتها. فانتشرت على ألسنة الناس عبارة: «الدين بالقلب»، ربما لحل مشكلة التقارب بين الإسلام والحداثة. والسؤال الذي طرحه عربي قديم على عربي حديث هو: ماذا تعني مقولة «الدين بالقلب»؟ هل المقصود بها الإسلام أم الإيمان؟ وأياً كان الجواب، فماذا يترتب على ذلك؟

غضبة أبي بكر: أول تعبير عن تفكك الدولة

غضب أبو بكر الصديق رضي الله عنه عندما فرقت قبائل من غطفان وأسد بين الزكاة والصلاة، وقال: «والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة». ربما كانت هذه الغضبة أول تعبير عن معنى تفكك الدولة؛ إذ أرادت هذه القبائل فك التلازم الحسي بين دُولة المال (بالضم) ودَولة الحرب (بالفتح)، فغضب لذلك أبو بكر. وربما أيضاً تجسد غضبة أبي بكر مقولة عيسى بن عمر في المأدبة.