الكرسي الصامت: témoin على تغير المجالس

الكرسي وشاهد الصامت
في ركن المجلس كرسي لا يلفت الانتباه إلا لمن يعرف قصته. ليس هو أقدم الكراسي ولا أفخمها ولا أكثرها راحة، لكنه ظل لسنوات يشغل نفس المكان وكأنه اختار موقعه قبل أن تُبنى الجدران. منذ رحل صاحبه لا يجرؤ أحد على الجلوس عليه طويلاً؛ يجلس دقيقة ثم يقوم، كما لو أن الكرسي يهمس في أذنه «هذا ليس مكانك». وأقسم أنني سمعته مرة يتنهد؛ فلا تستغربوا فالكراسي التي شهدت الرجال لا بد أن تتعلم شيئاً من طباعهم.
صاحب الكرسي وهيبته
كان صاحبه من أولئك الذين لا يحتاجون إلى رفع أصواتهم ليصمت الجميع. عندما يدخل المجلس تدخل معه هيبة لا تُشترى، وإذا تكلم أنصت الناس لأنهم يحترمون الرجل لا لأنهم يخشون سلاطة لسانه أو عدسة كاميرته. كان يعرف متى يروي حكاية ومتى يقطع جدالاً ومتى يصب فنجان القهوة بنفسه لضيف جاء متأخراً.
بعد الرحيل وتحول المجالس
بعد رحيله بقي الكرسي موظفاً وحيداً في وزارة الذكريات. في البداية ظن أن الأمور ستبقى كما كانت وأن الرجال الذين تربوا في ذلك المجلس سيحرسون هيبته، لكنه اكتشف أن العالم تغير أسرع مما يحتمل خشب عجوز. في أحد الأيام دخل شاب يحمل هاتفه أمامه كما يحمل المصور كاميرا فيلم وثائقي؛ لم يسلم أولاً بل فتح العدسة ودار بها على الفناجين ثم على المبخرة ثم على الحاضرين حتى مر أمام الكرسي فأقسم أن الكرسي انكمش قليلاً ربما خجلاً. وربما تذكر زمناً كانت المجالس تحفظ بالصدور لا بسعة التخزين. كان صاحبه يقول قديماً «المجلس أمانة» لكن اليوم يبدو أن بعض المجالس تحولت إلى استوديو متنقل يدخله الناس ليجمعوا محتوى أكثر مما يجمعون مودة؛ القهوة لا تشرب حتى تُصور والتمر ينتظر الإذن من الكاميرا قبل أن يؤول والضيف المسكين يخشى أن يبتسم فيجد نفسه بطلاً في قصة لا يعرف عنها شيئاً. ثم جاءت موضة الاستعراض؛ كان الرجل الكبير يدخل بثوبه وساعته القديمة وعصاه فلا يسأل أحد عما يملك لأن الجميع منشغل بما يملكه هو من خلق وحكمة. اليوم تدخل بعض الساعات قبل أصحابها وتسبق أسماء الماركات أسماء الرجال ويصبح الحديث عن السيارة أطول من الحديث عن صاحبها. أما الكرسي فيراقب المشهد بصبر الخشب ثم ينظر إلى الوجوه. خمسة رجال يجلسون حول صينية القهوة لكن المجلس صامت ليس وقاراً بل لأن كل واحد منهم منشغل بهاتفه يحادث شخصاً في مدينة أخرى ويتجاهل من يبعد عنه نصف متر؛ لم يعد أحد يصغي الكل ينتظر دوره ليتحدث أو فرصته ليقاطع أو لحظة مناسبة يروي فيها إنجازه الأخير وكأن المجالس تحولت إلى مؤتمر صحفي يتنافس فيه الجميع على لقب «المتحدث الرسمي عن نفسه». حتى المجاملات تغيرت؛ قديماً كان الرجل يقول كلمة طيبة ثم يسكت أما اليوم قد يمتد المديح حتى يشك أن المتحدث يقرأ إعلاناً تجارياً. الكرسي وحده لم يتغير ما زال في مكانه لا يصور أحداً ولا يقاطع أحداً ولا يرفع صوته ولا يبحث عن زاوية أفضل للظهور كل ما يفعله أنه ينتظر ربما رجلا يشبه ذلك الذي رحل وربما مجلساً يشبه المجالس التي عرفها. لكنني كلما خرجت من ذلك المجلس أشعر أن الكرسي لم يكن ينتظر عودة صاحبه بل كان ينتظر عودة الرجال الذين يجعلون الكراسي مجرد أثاث لا أبطالاً يضطرون إلى رواية ما حدث بعدهم.





