دعوة عشاء صادقة تفتح ملف المجاملات بين الإفراط والصدق

لقاء مفاجئ ودعوة غير متوقعة
التقيت بصديق قديم بعد فترة طويلة من الغياب في إحدى المناسبات العامة التي أقيمت في مدينته. وما إن مددت يده لمصافحتي بحماسة حتى بادرني قائلاً: العشاء اليوم عندي. كنت أستعد لرفض الدعوة بلباقة، كما جرت العادة في مثل هذه المواقف، لكن سرعان ما انشغل صديقي بالحديث مع رجل آخر اقترب منه. فضّلت الانتظار احتراماً له، على أن أعتذر لاحقاً في الوقت المناسب.
المجاملات بين الحسنة والمبالغة
أعجبني كثيراً أن تأتي المجاملات بقدرها وضمن الإمكانيات، دون مبالغة أو تجاوز للرغبة الحقيقية. فمن يصرّ على دعوتك للجلوس معه وهو في قرارة نفسه لا يريد ذلك، إنما يمارس مجاملة غير محمودة. هذا يشبه ما يفعله بعض أصحاب المحلات حين تقترب من الدفع فيقولون لك: خل علينا. ولو فعلت ذلك حقاً وتركتهم يتحملون الفاتورة، لطاردوك يطالبونك بالمال.
أتذكر في بداية مراهقتي أنني عدت من المدرسة مع زميل لي، وقلت له مجاملة: تفضل معي. نظر إلى ساعته وقال: اممم لدي وقت، حسناً سآتي معك! حينها شعرت بالارتباك وتلعثمت في الكلام، وصعد معي إلى الشقة وأدخلته المجلس الذي لم يكن جاهزاً. تفاجأ أهلي بقدومه، فأسرعت أمي – رحمها الله – بتجهيز الضيافة بهدوء. ظننت أنني نجوت من الموقف، لكن بعد أن غادر زميلي ابتسمت لي أمي ابتسامة صفراء ثم قرصتني في مكان مؤلم وحساس. ومنذ ذلك اليوم تعلمت ألا أدعو أحداً إلا إذا كنت مستعداً لذلك حقاً.
دروس من مواقف محرجة
وفي مرة أخرى، في لحظة اندفاع، أردت مجاملة صديقة جميلة بعد أمسية ثقافية، فقلت لها: أعجبتني مداخلتك. سألتني: ما الذي أعجبك فيها؟ أجبت: كلها. فقالت: أعطني مثالاً. عندها بهت ولم أجد جواباً، وتظاهرت بالموت. تعلمت الدرس لكنني لم أطبقه حتى الآن.
قيل لحكيم: ما رأيك في كثرة المجاملات بين الناس؟ فقال: المجاملة مثل الملح.. إن زادت أفسدت الطبخة، وإن نقصت صارت بلا طعم، وإن جاءت من شخص لا يطبخ أصلاً، فهذه مصيبة أخرى.
العشاء لا يزال عندي
ثم إن صديقي بعد أن أنهى حديثه مع الرجل الآخر، تقدم نحوي وقال: يلا يا أمين، نشوفك على خير. وأنت من أهل الخير.. لكن مهلاً مهلاً.. أين العشاء؟ العشاء اليوم عندي.





