الوجاهة الزائفة.. حين تصبح الوساطة ضغطاً على ولي الدم

في فضاءاتنا الاجتماعية، تبرز ظواهر تتزين بغطاء الفضيلة والمروءة، إلا أنها تحمل في طياتها خللاً بنيوياً ينال من حرية الإرادة، ويحوّل المبادئ السامية إلى أداة للإخضاع والضغط.
لعل أبرز تجليات هذه الإشكالية هو المشهد المتكرر لحشود من الوجهاء وشيوخ العشائر وهم يقصدون بيوت أولياء الدم للوساطة في العفو عن الجناة، وهي مساعٍ كثيراً ما تنحرف عن مقصدها الإنساني والشرعي، لتتحول إلى ممارسة تُغلف بـ”الإكراه الأدبي” والابتزاز العاطفي.
فاستدعاء هذه التكتلات الواسعة، وتكاثف حضور الشخصيات الاعتبارية في مجالس الطلب، أضحى في الغالب وسيلة لمحاصرة صاحب الحق نفسياً واجتماعياً. إذ يجد ولي الدم نفسه أمام كثافة بشرية وألقاب لامعة تسلبه قدرته على اتخاذ قرار مستقل، ويوضع بين خيارين كلاهما مر: إما الرضوخ تحت وطأة الحرج الاجتماعي، ليتحلى بلقب يوصف بالفضفاض، أو التمسك بحقه الشرعي، ليواجه آلة اجتماعية صارمة تصفه بالتصلب وقصر النظر. وبهذا يتجسد ما يمكن تسميته بـ”إرهاب ناعم” يُمارس بمهارة تحت عباءة الشهامة.
من مأساة الضحية إلى ملحمة إنقاذ الجاني
ومع توالي هذه المشاهد، تقوم الحشود بدور ممحاة اجتماعية، تزيح الجريمة الأساسية عن دائرة الوعي العام، وتحوّل المشهد إلى ملحمة بطولية تدور حول إنقاذ رقبة الجاني. وهكذا يتحول مرتكب الجريمة، الذي يقتضي العدل معاقبته، إلى محطّ أنظار النخبة، بينما يُهمّش الضحية الفعلي وتُدفن مأساته. ولا تتوقف التداعيات عند الجانب النفسي، بل تمتد إلى إضفاء شرعية على “ديات فلكية” تتجاوز حدود المعقول، فتصبح قضايا الدم سوقاً للمزايدات التي تتوارى خلف دعاوى الحمية، ويُحمّل المجتمع أعباء مالية طائلة كان الأجدر توجيهها لسد حاجة الفقراء ودعم التنمية، وذلك في استعراض متكلفٍ في موقف يستدعي الخجل والأسى.
دواعٍ نفسية وحسابات ضيقة
وتكشف الدوافع الكامنة وراء هذا الاندفاع المبالغ فيه لدى بعض الشخصيات عن أبعاد نفسية واجتماعية مريرة؛ في مقدمتها بريق النجومية السريعة التي تتيحها المنصات الرقمية، فتغذي النرجسية الفردية وتصنع نفوذاً وهمياً على حساب المأساة. كما تسهم بروتوكولات المجاملة الاجتماعية، إلى جانب الهروب من المسؤولية التنموية الحقيقية؛ إذ إن حضور مجلس بضع ساعات وإلقاء كلمة منمقة أيسر من تبنّي قضايا صامتة تتطلب عملاً ومتابعة، كإيجاد فرص عمل للشباب أو قضاء ديون المعسرين.
إن الإصرار على تهميش قضايا القصاص وتعبئة الوجاهات لإنقاذ المجرمين يجرّ إلى أثر مدمر على هيبة النظام؛ فحين يترسخ لدى النشء أن ثمّة حشوداً قبلية وملايين تُجمع عبر الهواتف عند ارتكاب الجرائم، ينهار الردع وتشيع اللامبالاة بحرمة الأرواح. كما يعزز هذا السلوك طبقية بغيضة تُعلن صراحة أن الجهود تُستنفر لنصرة العصبية والمكانة، بينما تظل الألسن صامتة أمام الفقر والجهل والمرض.
نموذج ولاة الأمر في العفو والشفاعة
في هذا السياق، تتجلى الحكمة في نموذج ولاة أمرنا – حفظهم الله – في هذا البلد المبارك؛ فهم سادة العفو ودعاته المخلصون، غير أن شفاعتهم تسمو على مظاهر الصخب والتحشيد الإعلامي، وهي بريئة من ممارسة الإكراه الأدبي أو إيقاع ولي الدم في حرج ممتد. إنهم يمارسون الوجاهة بمفهومها الشرعي النبيل، طلباً لوجه الله، دون أن تنال من كرامة المجني عليه أو تجور على حقه المكفول؛ فيشكلون بذلك القدوة الحسنة والأسوة الصحيحة، بدلاً من تلك المهرجانات التي تفرغ العفو من معناه الإيماني وتستبدله بالتفاخر الزائف.
إن ما يجري في بعض هذه المحافل ليس سوى مسرحية اجتماعية؛ مخرجها العرف المتصلب، وأبطالها ساعون إلى مجد شخصي، أما ضحيتها الحقيقية فهو ولي الدم الذي يتعرض لأقسى أنواع الضغط تحت مقصلة “العيب السلوكي”.
آن الأوان لوعي مجتمعي وتشريعات رادعة تضع حداً لـ”إرهاب الوجاهة”، وتعيد توجيه هذه الطاقة والأموال نحو تحسين حياة الأبرياء وبناء المستقبل، بدلاً من استنزافها في محاولات محو آثار الجريمة وتخليد أبطال من ورق.





