أرقام السوق السعودي تفضح التفسيرات الخاطئة لـ«إفلاس الشركات»

من غير المنصف أن يُحاكم اقتصاد بالحجم الذي تتمتع به المملكة العربية السعودية استناداً إلى رقم تم تداوله بعيداً عن سياقه الحقيقي، أو إلى مصطلح أسيء فهمه. فقد أثارت أنباء عن «إفلاس 64 شركة خلال شهر يونيو» موجة من القلق في الأوساط الاقتصادية، في حين أن الوقائع على الأرض مختلفة تماماً. فما تم تداوله لا يشير إلى إفلاس فعلي لهذه المنشآت، بل يتعلق بطلبات تقدمت بها للاستفادة من إجراءات الحماية من الإفلاس، وهي آلية قانونية حديثة تتيح للمنشآت التي تواجه صعوبات مالية فرصة لإعادة تنظيم أوضاعها، ومواصلة أنشطتها التجارية، وصيانة حقوق جميع الأطراف المعنية.
الحماية من الإفلاس ليست انهياراً
هذه الإجراءات لا تشكل دليلاً على تدهور أوضاع السوق، بل هي إحدى السمات التي تميز الاقتصادات المتقدمة التي تمتلك أطراً تشريعية متطورة لمعالجة حالات التعثر المالي. لذا، فإن الخلط بين مفهومي «الإفلاس» و«الحماية من الإفلاس» لا يعبر عن الحقيقة القانونية ولا الاقتصادية، بل هو مجرد ترجمة غير دقيقة لمصطلحات عالمية متداولة.
ولو افترضنا جدلاً أن هذا الرقم يمثل حالات إفلاس حقيقية، فهل يمكن اعتبار 64 شركة رقماً مقلقاً في اقتصاد يضم أكثر من 1.86 مليون سجل تجاري نشط؟ بالتأكيد لا. فإفلاس مطعم واحد في مقابل مئات المطاعم الأخرى التي تحقق أرباحاً وتتوسع، لا يعني وجود خلل في السوق، بل هو حالة طبيعية تعكس ظروفاً خاصة بتلك المنشأة. وينطبق الأمر نفسه على شركات المقاولات والسياحة وغيرها من القطاعات.
مؤشرات النمو تفوق حالات التعثر
الشهر نفسه الذي شهد تداول هذا الرقم، شهد أيضاً إصدار نحو 23 ألف سجل تجاري جديد. كما تجاوز عدد السجلات التجارية الجديدة في الربع الرابع من عام 2025 وحده 123 ألف سجل. هذه ليست مؤشرات على اقتصاد يتراجع، بل هي دلائل على اقتصاد تتوسع أعماله باستمرار، وتتزايد فيه المبادرات الاستثمارية، وتتسع قاعدة قطاعه الخاص عاماً بعد عام.
الاقتصادات الكبرى لا تُقاس بعدد المنشآت التي تتعثر، وإنما بقدرتها على إنتاج منشآت جديدة، وجذب الاستثمارات، وخلق الفرص. فالتعثر جزء طبيعي من دورة الأعمال في جميع دول العالم، لكن المعيار الحقيقي هو قدرة السوق على تعويض ذلك التعثر بمزيد من النمو، وهو ما يتحقق بوضوح في الاقتصاد السعودي.
تدفقات استثمارية قياسية تعزز الثقة
أوضح دليل على الثقة العالمية في السوق السعودي هو استمرار تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة، حتى تجاوز رصيدها تريليون ريال، مع تسجيل زيادات كبيرة خلال عامي 2024 و2025 تجاوزت 100 مليار ريال لكل عام. فالمستثمر الأجنبي لا يضخ مليارات الريالات في اقتصاد يفتقر إلى الثقة أو يعاني من ضعف هيكلي، بل يبحث عن الاستقرار، ووضوح التشريعات، وقوة الفرص الاستثمارية، وهي عناصر أصبحت المملكة تمتلكها بجدارة بعد دراسات متعمقة للسوق.
ولا يقتصر الأمر على الاستثمار المباشر، فالمملكة تمتلك أيضاً سوقاً مالية جاذبة للاستثمارات الأجنبية غير المباشرة التي تجاوزت نصف تريليون ريال، مما يعكس عمق السوق المالية السعودية وثقة المستثمرين العالميين فيها.
أما الصادرات غير النفطية فقد تجاوزت نصف تريليون ريال سنوياً خلال السنوات الثلاث الماضية، في مؤشر واضح على نجاح مسيرة تنويع الاقتصاد، وتعزيز مساهمة القطاعات غير النفطية، ورفع تنافسية المنتج السعودي في الأسواق العالمية.
الاتجاه العام صاعد لا لبس فيه
إن اختزال المشهد الاقتصادي في رقم واحد، أو التعامل مع حالات محدودة باعتبارها مؤشراً على ضعف الاقتصاد، لا يعكس قراءة اقتصادية موضوعية. فكل اقتصاد حي يشهد دخول منشآت جديدة وخروج أخرى، لكن المهم هو الاتجاه العام، وهذا الاتجاه في المملكة واضح وصاعد.
السوق السعودي أصبح اليوم واحداً من أكثر الأسواق نمواً وجاذبية في المنطقة، مدعوماً بإصلاحات اقتصادية غير مسبوقة، وتوسع في القطاع الخاص، وبيئة استثمارية متطورة، ومشروعات عملاقة، وزيادة مستمرة في تدفقات الاستثمار المحلي والأجنبي.
من الخطأ أن ننشغل برقم يمثل نسبة ضئيلة للغاية من حجم النشاط الاقتصادي، بينما نتجاهل ملايين السجلات التجارية، وعشرات الآلاف من السجلات الجديدة، والاستثمارات التي تتجاوز التريليون ريال، والصادرات غير النفطية التي تواصل تسجيل أرقام تاريخية.
السوق السعودي لا يحتاج إلى دفاع عاطفي، فالأرقام تتحدث عنه بوضوح: المملكة تبني اقتصاداً أكثر تنوعاً، وأكثر قدرة على النمو، وأكثر جاذبية للاستثمار. أما الأخبار المجتزأة، مهما انتشرت، فلن تغير من حقيقة أن السوق السعودي يسير بثقة نحو مستقبل اقتصادي أكثر قوة واستدامة.





