الرئيسيةاقتصادالمنطقة الرمادية: عوائق الابتكار الصناعي وسبل...
اقتصاد

المنطقة الرمادية: عوائق الابتكار الصناعي وسبل تجاوزها

14/07/2026 15:01

يأمل الكاتب أن يطلع صاحب السمو الملكي الأمير عبدالعزيز بن سلمان آل سعود على هذا المقال، الذي يقدم اقتراحًا لتعزيز الابتكار ودعمه في الوطن.

يتخيل القارئ شركة ناشئة استطاعت أن تبتكر منتجًا صديقًا للبيئة وآمنًا يحل مشكلة حقيقية في السوق، لكنها تكتشف أن إجراء الحصول على الترخيص يستغرق وقتًا أطول من عملية الإنتاج نفسها، وليس ذلك بسبب خطورة المنتج أو عدم جدواه، بل لأنه لا يطابق النماذج التي اعتدت عليها اللوائح الحالية.

تعريف المنطقة الرمادية

هذه الحالة ليست فرضية نظرية ولا مشهدًا من مسلسل، بل تمثل واقعًا تعيشه فئة متنامية من الصناعات الابتكارية في المملكة، ويُطلق عليها هنا اسم «المنطقة الرمادية».

يثير ذلك سؤالًا أساسيًا يدور في أذهان الكثيرين: ما المقصود بهذه المنطقة الرمادية؟

تُعرف المنطقة الرمادية بأنها مساحة صناعية تقع بين عالمين؛ أولهما عالم الأنظمة التقليدية التي صُيغت لمنتجات جيل سابق رغم محاولات تحديثها، وثانيهما عالم الابتكار الذي يتسارع ولا ينتظر تعديل اللوائح؛ والنتيجة أن منتجات آمنة وصديقة للبيئة، بدلًا من أن تُستقبل كمحفز اقتصادي، تجد نفسها محاصرة بمتطلبات تصميمها الأصلي التي لا تتصل بطبيعتها، من اشتراطات بيئية تقليدية إلى اختبارات تعقيم وتحلل لا تنطبق أصلاً على تركيبتها، بالإضافة إلى أمثلة أخرى لصناعات ترغب في ملامسة المستقبل.

أثر التحديات على الشركات الناشئة

يمكن وصف التحدي بأنه مشكلة بنائية وليس تفصيلية، وتشكّل من ثلاثة محاور متداخلة؛ أولها كلفة الامتثال الزائد، حيث تُقاس المنتجات غير النمطية بمعايير وضعت لغيرها أو عممت على الجميع، ما يحول الرقابة من أداة حماية إلى عبء مالي وزمني يثقل كاهل الشركات الصغيرة والناشئة تحديدًا التي تحمل تلك الابتكارات، وهي الأكثر هشاشة والأكثر حاجة للدعم لا للتعقيد.

وثانيها صدمة السوق، إذ يحتاج المستهلك في أي سوق ناشئة إلى وقت وبيئة تهيئة تدريجية للتعامل مع منتجات غير مألوفة، وهو ما لا توفره بعض اللوائح التي صُممت لعموم السوق.

وثالث هذه المحاور، وربما الأخطر، أن كل تأخير في دخول هذه المنتجات للسوق يعني استثمارات مؤجلة وابتكارات تهاجر إلى اقتصادات أكثر مرونة، وهنا تكمن الكارثة؛ فلن تجد تلك الابتكارات مكانًا خصبًا أو دافئًا يحتضنها.

تجارب عالمية للصناديق التنظيمية التجريبية

هذا التحدي ليس محصورًا في السعودية فقط؛ بل هي خبرة عالمية استفدنا منها كثيرًا، حيث لجأت المملكة المتحدة وسنغافورة والمجر إلى ما يُعرف بـ«الصناديق التنظيمية التجريبية»، وهي آلية تتيح للمبتكرين اختبار منتجاتهم ضمن بيئة رقابية خاضعة للإشراف، لكن بإعفاءات مؤقتة ومدروسة من بعض الاشتراطات التقليدية.

وبحسب ما وثقته منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، فإن هذا النهج لم يضعف الحماية النظامية، بل عزز الشفافية بين الجهات الرقابية والمبتكرين، وقلل تكلفة الدخول إلى السوق دون المساس بجوهر الرقابة نفسها؛ وفي بريطانيا تحديدًا، ساعد «صندوق اختبار بيولوجيا الهندسة» الجهات التنظيمية على مواكبة الابتكارات الحيوية الحديثة عبر تعاون مباشر مع القطاع الصناعي بدلاً من فرض قوالب جاهزة عليه.

والسعودية ليست غريبة عن هذا المبدأ؛ فلدينا بالفعل تجارب مماثلة للصندوق التنظيمي التجريبي المرتبط بالبيانات، والتي أظهرت أن المرونة التنظيمية والحماية يمكن أن تسيران معًا دون تناقض.

مقترح لتوسيع النموذج في المملكة

وليس السؤال حول جدوى هذا النموذج، فقد ثبتت فعاليته محليًّا وعالميًّا، بل حول التوسع؛ فلماذا لا يُستنسخ هذا النهج ليشمل الصناعات الابتكارية غير النمطية بشكل عام؟

هنا يبرز اقتراح عملي يستحق النظر الجاد: إنشاء مسار أو إدارة متخصصة ترتبط مباشرة بوزارة الصناعة والثروة المعدنية، تتولى تقييم هذه الصناعات حالة بحالة، وتمنحها اشتراطات مرنة واستثناءات مدروسة، بالإضافة إلى تمويل يتناسب مع طبيعتها الخاصة، ليس بهدف تخفيف الرقابة، بل لإعادة توجيهها لتصبح أداة تمكين لا عائق تأخير.

المملكة، وهي تسير بخطى ثابتة نحو تحقيق أهداف رؤية 2030 في التنويع الصناعي وجذب الاستثمار النوعي، لا يمكنها أن تسمح للأنظمة القديمة بأن تصبح عقبة أمام صناعات المستقبل؛ والوزارة التي اكتسبت خبرة واسعة في إدارة تحولات كبرى بقطاع الطاقة، مؤهلة اليوم أكثر من أي وقت لقيادة تحول مماثل في القطاع الصناعي، عبر مسار ينصف الابتكار بدلًا من معاقبته على اختلافه.

في النهاية، الفارق بين اقتصاد يستهلك حاضره وآخر يبني مستقبلًا غالبًا ما يبدأ من جرأة تنظيمية بسيطة، وهي أن نمنح كل منتج فرصة أن يُقاس بمقياسه الخاص، لا بمقياس غيره.