الرئيسيةعربي و عالميموجة هجمات بمسيّرات مجهولة تستهدف منشآت...
عربي و عالمي

موجة هجمات بمسيّرات مجهولة تستهدف منشآت حيوية في الزاوية الليبية.. والدبيبة يتوعد بالكشف عن الفاعلين

13/08/2026 13:04

منذ حوالي أسبوع، تعيش مدينة الزاوية الواقعة على بُعد نحو 40 كيلومتراً غرب العاصمة طرابلس حالة من الترقب والقلق إثر سلسلة هجمات متتالية بطائرات مسيّرة مجهولة الهوية، طالت منشآت حيوية وأثارت مخاوف واسعة بشأن استقرار المدينة الأمني والاقتصادي وتماسك نسيجها الاجتماعي.

هجمات متتالية على منشآت استراتيجية

ابتداءً من يوم السبت الموافق 8 أغسطس 2026، تعرضت الزاوية لهجمات شبه يومية بمسيّرات مفخخة استهدفت خزانات نفطية ومحطات لتحلية المياه وتوليد الكهرباء. في اليوم الأول، أصيبت خزان الوقود رقم “1-7” في مصفاة الزاوية، وهي أكبر مصفاة نفط في ليبيا والمخصص لتخزين مادة “النافتا”، مما أحدث ثقبين وتسرباً جزئياً للمخزون دون نشوب حريق.

وفي اليوم التالي، الأحد 9 أغسطس، تعرضت محطة تحلية مياه الزاوية، المصدر الرئيسي لمياه الشرب في المدينة، لهجوم بمسيّرة. ثم الاثنين، استهدف الخزان “402-T” التابع لشركة البريقة والمخصص لتخزين بنزين السيارات، مما أدى إلى اندلاع حريق كبير وانهيار الخزان بالكامل، واستغرق إخماد النيران أكثر من يومين. كان الخزان يحتوي على نحو 4.5 ملايين لتر من البنزين، مما أثار مخاوف من امتداد الخطر إلى المنشآت المجاورة.

الثلاثاء، تكرر المشهد في مجمع الزاوية النفطي، حيث استهدف مصنع خلط وتعبئة الزيوت بمسيّرة سقطت قرب خزان الزيوت الأساسي وشبكة الأنابيب. وفي اليوم نفسه، أصابت مسيّرة سقف خزان الديزل رقم “4/4″، مما تسبب في اختراقه واندلاع حريق تمت السيطرة عليه. وجاء هذا الاعتداء بعد إعادة تشغيل المصفاة إثر توقف سابق. كما استهدف خزان الديزل “2/4” في اليوم ذاته، وتم إخماد الحريق. وامتدت الهجمات خارج أسوار المجمع النفطي إلى محطة الكهرباء الرئيسية في منطقة الحرشة، وسقطت مسيّرة أخرى قرب خزان الوقود المغذي للمحطة.

الأربعاء، استهدفت مسيّرة محطة كهرباء ثانية، مما أدى إلى انفجارها واحتراقها وخروجها الكامل عن الخدمة، وانقطاع التيار الكهربائي عن معظم أحياء المدينة.

تحقيقات حكومية وتلويح بالقوة القاهرة

على خلفية هذه التطورات، عقد رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة، الاثنين، اجتماعاً موسعاً مع قيادات أمنية وعسكرية، حضره وزير الداخلية عماد الطرابلسي، ووكيل وزارة الدفاع عبد السلام الزوبي، ورئيس الأركان العامة صلاح الدين النمروش، ومدير إدارة الاستخبارات العسكرية، وآمر اللواء 444 قتال محمود حمزة، ورئيس جهاز الأمن العام عبد الله الطرابلسي. وأكد الدبيبة “ضرورة التعامل بحزم مع أي تعديات أو أعمال من شأنها تهديد الأمن أو المساس بالمنشآت والمرافق الحيوية، واتخاذ الإجراءات اللازمة تجاهها”، وشدد على “أهمية رفع مستوى التنسيق والجاهزية بين مختلف الأجهزة”.

ولوحت المؤسسة الوطنية للنفط بإعلان حالة “القوة القاهرة” ووقف العمل كلياً في مجمع الزاوية النفطي إذا استمرت الاعتداءات، في محاولة للضغط لتوفير الحماية للمنشأة. ويُقصد بـ”القوة القاهرة” بند تعاقدي يسمح للمورّد بإعفاء نفسه من الالتزامات التعاقدية دون غرامات جراء أحداث خارجة عن السيطرة، مثل الهجمات.

وعاد الدبيبة، الثلاثاء، ليعلق على الأحداث قائلاً في بيان إنه “سيتم الوصول إلى المسؤولين عن الاعتداءات المتكررة على المنشآت النفطية بالطائرات المسيّرة”، وأضاف أن الجهات المختصة باشرت تحقيقاتها لتحديد مصدر المسيّرات وكشف من خطط وأمر ونفذ وشارك في الاستهداف. ووصف استهداف المنشآت النفطية والصناعية بأنه “جريمة خطيرة وتصعيد لن يمر دون رد، وتهديد مباشر لأرواح المواطنين والعاملين ولمنشآت حيوية تمثل جزءاً من أمن البلاد واقتصادها ومقدرات شعبها”.

ودخلت وزارة الدفاع بحكومة الوحدة الوطنية على خط الأزمة، مؤكدة في بيان الأربعاء أنها “لن تتهاون مع الاعتداءات والأعمال الإجرامية التي استهدفت المنشآت النفطية والحيوية ومقدرات الدولة الليبية في الزاوية”، وتتعامل معها باعتبارها “اعتداءً مباشراً على أمن الوطن ومصالح الشعب وتهديداً خطيراً للاستقرار والسلم الاجتماعي”. ووصفت الاستهداف بأنه “عمل عدائي ممنهج تقف وراءه أطراف تدفع بدعم وتحريض من جهات خارجية”، بهدف “زعزعة أمن البلاد واستقرارها والتضييق على المواطن الليبي والإضرار بالاقتصاد الوطني وجر البلاد إلى مستنقع من العنف والفوضى والصراع”. وأكدت أن أمن البلاد وثرواتها ومشاريعها الحيوية “خط أحمر”، ولن تسمح بتحويل مقدرات الليبيين إلى أدوات للابتزاز أو الفوضى أو تنفيذ أجندات خارجية.

روايات متضاربة حول المسؤول

في ظل عدم تبني أي جهة الهجمات، تداول الشارع الليبي عدة روايات حول المسؤول، بحسب مراسل الأناضول. إحدى الروايات تتهم حكومة الوحدة الوطنية بالوقوف وراء الاستهدافات عقاباً لأهالي الزاوية على خلفية احتجاجات شهدتها المدينة قبل فترة قصيرة طالبت برحيل الحكومة. ففي 27 يوليو 2026، أطلق أهالي الزاوية ممثلين في حراك “أبناء الزاوية” تحركاً مدنياً تضمن تعليق العمل في مؤسسات ومرافق عامة داخل المدينة، بينها البلدية والجهات الخدمية، مع استثناء المستشفيات والمراكز الطبية.

غير أن هذه الرواية تواجه تساؤلات حول طبيعة المنشآت المستهدفة وأهميتها للحكومة نفسها، إذ يؤمن مجمع الزاوية النفطي إمدادات الطاقة لمعظم مناطق غربي البلاد، بما في ذلك العاصمة طرابلس، من بنزين ووقود توليد كهرباء وغاز طهي، مما يعني أن تضرره سيضع الحكومة أمام تداعيات مباشرة. كما يمثل المجمع منفذاً للصادرات إلى الخارج وأحد مصادر إيرادات الدولة. ويُطرح أيضاً أن إيطاليا، المستفيد الرئيسي من صادرات الطاقة الليبية وحليف مهم لحكومة الوحدة، تضع علامات استفهام حول فرضية إقدام الحكومة على الإضرار بهذه المصالح لمعاقبة سكان الزاوية.

وتتداول رواية أخرى تتهم مجموعات مسلحة تتبع اسمياً حكومة الوحدة بالوقوف وراء الهجمات، مستندة إلى أن المصفاة نفسها تؤمنها مجموعات مسلحة تعد منافسة لمجموعات أخرى في المدينة، وسبق أن دخلت تلك الأطراف أكثر من مرة في اشتباكات مسلحة. وكان أحدث تلك الاشتباكات في 4 أغسطس 2026، وأسفر عن قتلى وجرحى وفرار سجناء. كما تشهد المدينة منذ أكثر من عام حوادث اغتيال متكررة في سياق يبدو مرتبطاً بتصفية حسابات بين مجموعات مسلحة متنافسة.

تداعيات أمنية واقتصادية

تتمتع الزاوية بأهمية استراتيجية واقتصادية لوقوعها على الساحل واحتضانها مصفاة الزاوية ومنشآت نفطية أخرى. ويؤثر أي توتر أمني فيها على حركة النقل وإمدادات الوقود والطاقة بمناطق واسعة غربي ليبيا، بالإضافة إلى ارتباط منشآتها بصادرات البلاد إلى الخارج. وتتنازع حكومتان على السلطة في ليبيا: حكومة الوحدة الوطنية برئاسة الدبيبة ومقرها طرابلس وتدير مناطق غربي البلاد، وحكومة أخرى عينها مجلس النواب مطلع 2022 برئاسة أسامة حماد ومقرها بنغازي وتدير شرقي البلاد ومعظم مناطق الجنوب. ومنذ سنوات، تبذل بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا جهوداً لمعالجة خلافات مزمنة بين مؤسسات ليبية تحول دون إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية في البلد الغني بالنفط والغاز، ويأمل الليبيون أن تؤدي الانتخابات إلى إنهاء الصراعات السياسية والمسلحة والفترات الانتقالية المتواصلة منذ الإطاحة بنظام حكم معمر القذافي (1969-2011).