لغة التدريس في الجامعات العربية بين كفاءة التعليم ومتطلبات العولمة

اعتمدت العديد من الجامعات في العالم العربي خلال العقود الأخيرة اللغة الإنجليزية كلغة رئيسية للتدريس في أغلب التخصصات العلمية والطبية والهندسية على مستوى البكالوريوس، وذلك استجابةً لضغوط العولمة ورغبة تعزيز فرص خريجيها في أسواق العمل الدولية.
تساؤلات حول كفاءة الاعتماد الحصري على الإنجليزية
مع انتشار هذا الاتجاه، يتجدد الجدل داخل الأوساط الأكاديمية والمجتمعات المحلية حول ما إذا كان الاعتماد الكلي على اللغة الإنجليزية هو الأنسب لتحقيق الأهداف التعليمية والاقتصادية المرجوة.
دراسات تقارن بين نماذج التعليم أحادية وثنائية اللغة
تشير بعض الأبحاث إلى أن التعليم بنظام ثنائي اللغة قد يمنح نتائج أكثر توازناً في بعض المجالات. مثال ذلك دراسة أُجريت في المملكة العربية السعودية شملت طلاباً من التخصصات الصحية؛ أظهرت النتائج تفوق أداء المتعلمين الذين استخدموا مزيجاً من العربية والإنجليزية في استيعاب المحتوى مقارنةً بأولئك الذين درسوا بالإنجليزية فقط، كما عبّر الأغلبية عن تفضيلهم لهذا النموذج (Advances in Medical Education and Practice, 2019, 16, 1063–1075).
وليس هذا المثال محصوراً في السياق العربي؛ ففي تجربة عشوائية أجريت في السويد شملت أكثر من ألفين طالب في أحد تخصصات الحوسبة، سجل المشاركون الذين تلقوا التعليم بالإنجليزية نتائج أدنى وزادت نسب التسرب مقارنةً بأقرانهم الذين درسوا بلغتهم الأم (Applied Linguistics Review, 2018, 15(6), 2373–2396). كما أظهرت دراسة يابانية في مجال الكيمياء أن الطلبة الذين تعلموا بالإنجليزية واجهوا صعوبات أكبر في حل الأسئلة التحليلية رغم تقاربهم مع الزملاء في المسائل الحسابية (Assessment & Evaluation in Higher Education, 2020, 50(1), 67–82).
تأثير لغة التدريس على بنية الفهم الأكاديمي
تؤكد هذه النتائج أن اللغة التي تُستَخدم في قاعات الدراسة لا تقتصر على نقل المعرفة، بل تدخل في صُنع الفهم ذاته، وتؤثر في طريقة معالجة الطالب للمفاهيم العلمية وعمق استيعابه لها.
انعكاسات اختيار اللغة على البيئة الأكاديمية والإنتاج العلمي
يتجاوز أثر اختيار لغة التدريس التجربة الفردية للطالب لتشمل أبعاداً أوسع في النظام الجامعي. مع تفضيل الإنجليزية كلغة أساسية للبحث والترقية، انخفض الاهتمام بإنتاج وتأليف وترجمة مؤلفات عربية حديثة. يتجه كثير من الأكاديميين إلى النشر بالإنجليزية لتلبية معايير التقييم والترقية التي أصبحت شبه حصرية للغة الإنجليزية، ما أدى إلى تضاؤل الحوافز المؤسسية لإنشاء مراجع عربية معاصرة وتعمق الفجوة في المحتوى العلمي العربي.
علاوة على ذلك، تستلزم بعض البرامج الجامعية سنوات تمهيدية لتقوية مهارات اللغة الإنجليزية قبل الالتحاق بالتخصص، ما يضيف عبئاً زمنياً ومالياً على الطالب والمؤسسة، ويطيل مدة الحصول على الدرجة مقارنةً بالنماذج التي تدمج اللغة ضمن المنهج التخصصي بشكل أكثر سلاسة.
هذه المعطيات تدعو إلى توسيع دائرة النقاش حول لغة التدريس، لتشمل تقييم شامل لكفاءة النموذج من حيث جودة التعلم، وتكلفة البرامج، وقدرة النظام الأكاديمي على إنتاج المعرفة وتطويرها.
ختاماً، لا يمكن اعتبار اختيار لغة التدريس مجرد قرار لغوي، بل هو قرار يؤثر في كفاءة التعلم وبنية الإنتاج العلمي. الاعتماد على الإنجليزية يفتح أبواب المعرفة العالمية، لكنه يرافقه تكاليف زمنية ومادية إضافية، وقد يحد من توازن إنتاج المحتوى المحلي. لذا، لا يبدو أن الحل يكمن في توحيد اللغة، بل في تبني نموذج مرن يوازن بين العربية والإنجليزية وفقاً لطبيعة كل تخصص؛ تُستَخدم العربية لتثبيت الفهم وتأسيس المفاهيم، وتُستَخدم الإنجليزية للوصول إلى المصادر العالمية والتواصل العلمي. بهذا التوازن يمكن خفض التكاليف وتحسين جودة التعلم مع الحفاظ على الانفتاح الأكاديمي.





