الرئيسيةعربي و عالميالنفقة الزوجية بين الواجب والكرم: قراءة...
عربي و عالمي

النفقة الزوجية بين الواجب والكرم: قراءة في الأحكام الشرعية وتطبيقاتها المعاصرة

20/06/2026 19:01

تستمر المناقشات حول مسألة نفقة الزوجة في الانتشار، خاصةً عندما تكون المرأة عاملة وتتمتع بدخل مستقل. تتجدد التساؤلات في كل حلقة من الحوار، من بينها: هل يبقى حق الزوج في الإنفاق على زوجته إذا كانت تتقاضى راتباً؟ وهل تتغير الأحكام باختلاف الظروف الاقتصادية أو الاجتماعية؟ وما هو الدافع الشرعي لفرض النفقة على الرجل في ظل أن بعض النساء قد يتفوقن دخلياً على أزواجهن؟

الأصل الشرعي للنفقة

عند نزول الوحي، حسمت الشريعة مسؤولية الزوج في الإنفاق على زوجته، ليس كقيمة مقابل طاعة أو عبء منزلي، بل كركيزة أساسية للهيكل الأسري. جاء ذلك في سورة النساء: “الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم…”، كما أكدت سورة البقرة على حق المولود في رزق وهبته المرأة بالمعروف. لا يوجد خلاف بين الفقهاء حول هذا الأساس؛ فقد نقل الإمام ابن المنذر في كتابه “الإجماع” إجماع العلماء على وجوب نفقة الزوج لزوجته، وأشار الإمام ابن قدامة في “المغني” إلى أن النفقة مستندة إلى الكتاب والسنة وإجماع العلماء، محذراً من أن النفقة لا تجوز إذا كان المطلوب في حاجة لا تستدعي الإنفاق. كذلك وثق الإمام ابن حزم في “مراتب الإجماع” اتفاق الفقهاء على أن النفقة تجب سواء كان للزوجة مال أو لا.

النفقة ليست مرتبطة بالدخل

يؤكد هذا الاتفاق أن النفقة ترتبط بعقد الزواج ومسؤولياته، لا بحجم الرصيد البنكي أو مقدار الراتب الشهري. في الوقت نفسه، يبقى أن الإسلام قد منح المرأة حقاً مالياً مستقلاً قبل أن تتبنى المجتمعات الحديثة هذا المفهوم بعد قرون. لا يحق للزوج أن يطالب بأية جزء من مال الزوجة أو إرثها أو هبتها أو راتبها إلا بموافقتها الصريحة.

تحديات الواقع المعاصر

تظهر أحياناً في بعض الأسر الحديثة نماذج تشبه الشركات المساهمة، حيث يتركز كل طرف على ما دفعه وما استلمه، ما يجعل كشف الحسابات المالية أكثر بروزاً من مشاعر المودة. يتحول هذا إلى لغة مطالبة تفوق لغة الرحمة، فتتحول الحقوق الشرعية إلى أدوات خصام قد تهدد استقرار الأسرة. وهذا لا يعني أن التعاون المالي بين الزوجين مرفوض؛ بل إن أكثر الأسر سعادة هي التي قامت على تضحية مشتركة وتعاون صادق.

الفرق بين الإحسان والالتزام

من الضروري التفريق بين ما هو إلتزام شرعي وما هو إحسان طوعي. إذا ساهمت الزوجة في بناء بيتها أو دعمت زوجها مالياً، فهذا يُعد من سمو أخلاقها وكرمها، وليس فرضاً عليها. وفي هذا الصدد جاء توجيه قرآني جميل: “ولا تنسوا الفضل بينكم”، حيث يحفظ العدل الحقوق وتُقوِّى المودة عندما يتجاوز الطرفان حدود الالتزام إلى الإحسان. إن الأسر التي توقفت عند حدود الحقوق فقط شهدت ضعفاً، بينما التي ارتقت إلى الإحسان استقرت وازدهرت. لذا يبرز السؤال الحقيقي اليوم: ليس من ينفق أكثر، بل كيف نحافظ على استقرار الأسرة.

عند إدراك الزوج لمسؤوليته، وإدراك الزوجة لحقوقها، وتجلِّي روح الفضل والتعاون بينهما، تتحول النفقة إلى أداة استقرار لا إلى مصدر نزاع. وتظل الأسرة، كما وصفها الله في سورة النساء، “ميثاقاً غليظاً” يجمع القلوب قبل جمع الأموال.