الرئيسيةعربي و عالميلبنان في مفترق طرق إقليمي جديد:...
عربي و عالمي

لبنان في مفترق طرق إقليمي جديد: فرص وتحديات

20/06/2026 19:01

لم يعد لبنان اليوم على أعتاب تسوية سياسية عابرة، بل يواجه لحظة إقليمية قد تكون الأبرز منذ انتهاء الحرب الأهلية وإقرار اتفاق الطائف. التحولات الأخيرة في المنطقة لا يمكن اختزالها في مجرد تفاهم بين واشنطن وطهران أو تهدئة مؤقتة بين خصمين تاريخيين، بل تمثل بداية لإعادة رسم الخريطة السياسية والأمنية في الشرق الأوسط على أسس تختلف عما ساد خلال العقدين الماضيين.

لبنان في قلب التحولات الإقليمية

يتصدر لبنان المشهد كأحد أكثر الملفات ارتباطاً بنتائج المرحلة الجديدة، ليس لأنه كان محور المفاوضات الدولية، بل لأن نموذج الدولة اللبنانية يعبّر عن تداخل واضح بين السلطة الوطنية والنفوذ الإقليمي، وبين التوازنات الداخلية والحسابات الخارجية. ما سيواجهه الآن يتخطى مجرد تشكيل حكومات أو انتخاب رؤساء أو معالجة الأزمات الاقتصادية؛ فهو يتعلق بطبيعة الدولة نفسها وموقعها داخل نظام إقليمي يُعاد تشكيله أمام أعين الجميع.

تغير في سياسات القوى الدولية والإقليمية

على مدى العقود الماضية اعتادت النخب اللبنانية أن تستغل كل تحول إقليمي كفرصة لتعديل موازين القوى الداخلية. إلا أن المرحلة الراهنة تختلف جوهرياً؛ فالقوى الدولية والإقليمية لم تعد تسعى إلى إدارة الأزمات كما في السابق، بل تتجه إلى بناء منظومة استقرار جديدة تهدف إلى تقليص مساحات الاشتباك المباشر وتثبيت قواعد أمن إقليمي أكثر صلابة. من هذا المنطلق، لم يعد لبنان ساحة مفتوحة بالمعنى التقليدي، بل قد يتحول إلى عنصر ضمن منظومة استقرار أوسع تستلزم دولة قادرة على تحمل مسؤولياتها.

الفلسفة السياسية وراء الاتفاقات

المهم ليس مضمون الاتفاقات بحد ذاته، بل الفلسفة السياسية التي تقف خلفها. طوال سنوات، كان لبنان يُدار عملياً من خلال توازنات إقليمية، حيث ينتظر كل قرار داخلي موافقة خارجية لتحديد مساره. اليوم يبدو الاتجاه مختلفاً، فهناك إصرار متزايد على التعامل مع لبنان عبر مؤسساته الرسمية، لتصبح الدولة المرجعية الأساسية لأي ترتيبات سياسية أو أمنية أو اقتصادية مستقبلية. في ظل هذا التحول، يصبح الفصل بين الدولة والنفوذ أمراً استثنائياً.

إيران، التي سعت طويلاً إلى ربط الساحات الإقليمية، تدرك الآن أن المرحلة الجديدة تتطلب مقاربات براغماتية أقل أيديولوجية. وفي الوقت ذاته، أصبحت الولايات المتحدة، التي قضت سنوات في سياسة الضغط القصوى، تركز الآن على إنتاج استقرار مستدام بدلاً من إدارة صراعات لا نهائية. بين هذين التحولين يجد لبنان فرصة نادرة لإعادة تعريف موقعه ليس كجزء من محور أو جبهة، بل كدولة ذات مصالح وطنية مستقلة.

فرص ومخاطر أمام لبنان

تُظهر التجارب التاريخية أن النوافذ الإقليمية لا تبقى مفتوحة إلى الأبد؛ فغالباً ما أهدرت لبنان لحظات التحول الكبرى بسبب انشغال القوى السياسية بصراعاتها الصغيرة وعجزها عن إدراك حجم المتغيرات من حولها. لذا فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في طبيعة الاتفاقات الدولية، بل في قدرة اللبنانيين على صياغة رؤية وطنية تتجاوز منطق المحاصصة وإدارة الأزمات.

اتفاق الطائف يظل جزءاً من الحل، وليس من المشكلة. بعد أكثر من ثلاثة عقود على إقراره، لا تزال معظم الأزمات اللبنانية ناتجة عن عدم استكمال تطبيقه، لا عن فشله. الدولة التي نصّ عليها الاتفاق لم تكتمل مؤسساتها، والانتقال من منطق الحرب إلى منطق الدولة لا يزال ناقصاً ومعلّقاً. وبالتالي، فإن أي نقاش حول مستقبل لبنان بعد التحولات الإقليمية يفتقر إلى المعنى إذا لم يُرفق باستكمال مشروع الدولة الذي أُسّس بواسطة اتفاق الطائف.

أما مسألة سلاح حزب الله ودوره المستقبلي، فستأخذ بعداً مختلفاً في المرحلة القادمة. لم تعد القضية مرتبطة فقط بالتوازنات العسكرية أو حسابات الردع، بل أصبحت جزءاً من سؤال أوسع حول موقع الدولة اللبنانية داخل النظام الإقليمي الجديد. كلما اقترب الإقليم من الاستقرار، ارتفعت الضغوط السياسية لمنح الدولة دوراً أكبر وتقليل الاعتماد على البنى الموازية مهما كانت مبرراتها في السابق.

الآفاق الاقتصادية والعرقية

اقتصادياً، تبدو الفرصة أكثر وضوحاً من أي وقت مضى. لبنان يقف أمام احتمال الاستفادة من مناخ إقليمي أقل توتراً وأكثر استعداداً للاستثمار وإعادة الإعمار والانفتاح الاقتصادي. إلا أن هذه الفرصة لن تتحقق إذا استمرت الدولة في إنتاج الأزمات نفسها أو إذا بقيت الإصلاحات رهينة حسابات سياسية ضيقة.

عربياً، يمكن أن يستعيد لبنان موقعه الطبيعي بعد سنوات من التراجع والانعزال. العواصم العربية لا تبحث اليوم عن لبنان تابع لمحور أو خصم لمحور آخر، بل عن دولة مستقرة قادرة على إدارة شؤونها ومؤسساتها وتوفير الحد الأدنى من الاستقرار السياسي والاقتصادي.

إن ما يجري في المنطقة ليس مجرد اتفاق بين واشنطن وطهران، بل بداية انتقال من مرحلة تاريخية إلى أخرى. لبنان، الذي كان طوال عقود ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، يجد نفسه الآن أمام فرصة نادرة للخروج من هذا الدور. غير أن هذه الفرصة ليست حتمية ولا نتيجة تلقائية للتفاهمات الدولية؛ بل هي مشروطة بقدرة اللبنانيين على استيعاب معنى التحولات الجارية والانتقال من عقلية إدارة الأزمات إلى عقلية بناء الدولة.

السؤال الحقيقي الذي سيحدد مستقبل لبنان في السنوات المقبلة ليس ما ربحت إيران أو ما حققت الولايات المتحدة، بل ما إذا كان اللبنانيون قادرين أخيراً على استثمار لحظة التحول الإقليمي لبناء دولة طال انتظارها. المعادلة الجديدة التي تتشكل في الشرق الأوسط قد تمنح لبنان فرصة تاريخية، لكنها لن تبني له دولته؛ وهذه المهمة ستظل مسؤولية اللبنانيين وحدهم.