الرئيسيةكتاب و آراءهيمز آند هيرز: من منصة تساقط...
كتاب و آراء

هيمز آند هيرز: من منصة تساقط الشعر إلى عملاق الصحة الرقمية بالذكاء الاصطناعي

18/06/2026 01:01

في فترة زمنية قصيرة، تحولت شركة أمريكية ناشئة بدأت كمنصة بسيطة لبيع حلول تساقط الشعر إلى واحدة من أبرز نماذج الصحة الرقمية على مستوى العالم. تُعرف الشركة باسم “هيمز آند هيرز” (Hims & Hers) وقد تأسست عام 2017، ثم شهدت توسعًا سريعًا أدى إلى تجاوز إيراداتها في عام 2025 حاجز ملياري وثلاثة أرباع مليار دولار بنمو يقارب 60%، مع قاعدة مستخدمين تجاوزت المليونين ونصف المليون مشترك.

نموذج الرعاية الصحية الرقمي

تُعَدّ “هيمز آند هيرز” منصة رعاية صحية موجهة مباشرة إلى المستهلك، تقوم على فكرة أساسية تتمثل في نقل جزء كبير من الزيارة الطبية الروتينية من عيادة الطبيب إلى جهاز الجوال. عبر التطبيق، يتمكن المستخدم من التواصل مع أطباء مرخصين عبر الإنترنت، الحصول على وصفات طبية رقمية، ثم استلام الدواء من صيدلية سحابية تُسلم العلاج إلى باب المنزل.

تشمل خدمات الشركة مجموعة واسعة من المجالات مثل الصحة الجنسية، وعلاج تساقط الشعر، والهرمونات، وإنقاص الوزن، وأمراض الجلد، والصحة النفسية، إضافة إلى خدمات التحاليل المخبرية المنزلية التي أُضيفت مؤخرًا. منذ إنشائها، أجرت المنصة أكثر من خمسين مليون استشارة طبية، ووسعت عملياتها لتشمل الولايات المتحدة وكندا وبريطانيا وعدد من الأسواق الأوروبية.

الذكاء الاصطناعي كمحرك استراتيجي

في عام 2025، أعلنت الشركة بوضوح أن مستقبلها سيعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي، ليس كشعار تسويقي بل كرسالة استراتيجية واضحة. لتعزيز هذه الرؤية، عُيّن محمد الشناوي رئيسًا للتقنية، وهو المسؤول التقني السابق في شركة كروز المتخصصة في السيارات ذاتية القيادة، ويملك خبرة تفوق عشرين عامًا في مجال الذكاء الاصطناعي والبنية التقنية الضخمة.

قامت “هيمز آند هيرز” مؤخرًا بجمع ما يقارب 870 مليون دولار عبر سندات قابلة للتحويل، خصصت جزءًا من هذه الأموال لتطوير أدوات الذكاء الاصطناعي، بناء قاعدة بيانات متكاملة، وتحسين خوارزميات العلاج المخصص. تسعى الشركة إلى ربط جميع حلقات الرعاية الصحية في سلسلة واحدة متصلة: بدءًا من جمع البيانات، مرورًا بفهم الحالة، اقتراح المسار العلاجي، وصف الدواء، وصولاً إلى توصيله ومتابعة النتائج.

تطبيقات عملية للذكاء الاصطناعي

من أبرز الابتكارات التي أطلقتها الشركة نظام “ميد ماتش”، وهو أداة تعتمد على تعلم الآلة لمساعدة المرضى في اختيار المسار العلاجي الأنسب لحالتهم. تستهدف الشركة توسيع نطاق هذا النظام وزيادة دقته لتوفير قرارات علاجية أكثر تخصيصًا مع مرور الوقت.

كما طورت الشركة وكيلًا ذكيًا لتفسير نتائج التحاليل المخبرية المنزلية، يستطيع قراءة المؤشرات الحيوية للمستخدم وتقديم رؤى صحية مخصصة بلغة مبسطة. وتؤكد الشركة أن هذا الوكيل لا يشخص المرض ولا يحل محل الطبيب، ولا يستند إلى مصادر الإنترنت المفتوحة، بل يعتمد على قاعدة معرفة طبية خاصة تم تطويرها بالتعاون مع خبراء، مع الالتزام بحماية خصوصية بيانات المستخدم.

استراتيجية البيانات والتكامل الرأسي

تكمن قوة النموذج في ما يُسمى “مستودع البيانات”؛ فكلما ارتفع عدد المشتركين، زادت كمية البيانات الصحية والسلوكية والعلاجية المتاحة للشركة، ما يُحسّن قدرة نماذج الذكاء الاصطناعي على التخصيص والتنبؤ. هذا التحسين المستمر يجذب مزيدًا من المستخدمين، مما يدعم دورة نمو مستدامة.

تُعَدّ ميزة التكامل الرأسي سمة أخرى مميزة، حيث تجمع الشركة تحت سقف واحد الطبيب، الوصفة، الصيدلية، التحاليل المنزلية، وخدمة التوصيل. يتيح هذا التكامل تحكمًا أكبر في جودة تجربة المستخدم وتكاليفها، كما يغذي نماذج الذكاء الاصطناعي ببيانات دقيقة في كل مرحلة من رحلة الرعاية.

خطط التوسع والاستحواذات الدولية

في عام 2026، تستهدف الشركة توسيع نشاطها إلى تخصصات علاجية جديدة وتعزيز حضورها العالمي عبر استحواذات وتوسعات في أوروبا وأستراليا وكندا. أعلنت عن هدف طموح للعام 2030 يهدف إلى تحقيق إيرادات لا تقل عن ستة مليارات ونصف المليار دولار.

في الثاني من يونيو 2026، أكدت الشركة إتمام استحواذها على شركة يوكاليبتوس الأسترالية، المالكة لعلامات “جونيبر” و”بايلوت” و”كن”، لتصبح بذلك أكبر منصة صحة استهلاكية على مستوى العالم. يفتح هذا الاستحواذ أبواب السوق الأسترالية ويعزز وجود الشركة في كندا وألمانيا واليابان والمملكة المتحدة، إضافة إلى توسيع حضورها في فرنسا وإيرلندا وإسبانيا.

رؤية المؤسس وتحديات المستقبل

يتحدث مؤسس “هيمز آند هيرز” أندرو دودم، رجل أعمال أمريكي من أصل فلسطيني نشأ في سان فرانسيسكو، عن طموحه في جعل المنصة العالمية الرائدة في صحة المستهلك، بحيث يحصل كل شخص على رعاية مخصصة أينما كان، باستخدام مزيج من الذكاء الاصطناعي، الخبرة الطبية المحلية، وسهولة الوصول الرقمي. يهدف هذا النموذج إلى تحويل الرعاية الصحية من نظام ينتظر المرضى في العيادات إلى نظام يذهب إليهم عبر هواتفهم ومنازلهم.

ومع ذلك، تواجه الشركة تحديات تنظيمية متزايدة، خصوصًا بعد الجدل المتعلق بأدوية إنقاص الوزن وانتهاء شراكتها مع شركة نوفو نورديسك. كما يثير دمج الذكاء الاصطناعي في الطب أسئلة حساسة حول دقة التوصيات، مسؤولية الأخطاء، حماية البيانات الحساسة، والتمييز بين التفاعل مع الطبيب والتفاعل مع النظام الذكي أو المحتوى التسويقي.

تُظهر التجربة أن المنصات الرقمية يمكن أن تسد فجوات حقيقية في الوصول إلى الرعاية، خصوصًا في الحالات الروتينية والمزمنة، لكنها قد تخلق فجوات جديدة إذا تحوّلت العلاقة الطبية إلى تجربة استهلاكية سريعة أو إذا أصبحت القرارات العلاجية معتمدة على خوارزميات لا يدرك المريض حدودها.