الرئيسيةعربي و عالميالضغط الاقتصادي الأميركي على إيران وآثاره...
عربي و عالمي

الضغط الاقتصادي الأميركي على إيران وآثاره على الداخل

20/08/2026 05:01

الضغط الاقتصادي وأدواته

بعد أن لم يعد الضغط الأميركي على إيران مقتصراً على ساحات المواجهة العسكرية، انتقلت واشنطن إلى استخدام الاقتصاد وسوق العمل كأدوات ضغط متقدمة، سعيا لدفع طهران إلى تقديم تنازلات في ملفات كانت تعدّها سابقاً خارج نطاق التفاوض. ويشير نبيل العتوم إلى أن الاستراتيجية الأميركية تقوم على ثلاثة مسارات: أولها الانتظار والاستنزاف عبر ترك الضغوط المالية تتراكم حتى تصبح تكلفة عدم الاتفاق أعلى من تكلفة التنازلات؛ ثانيها الخنق الاقتصادي من خلال تشديد القيود على النفط والموانئ والأموال المجمدة وعدم رفع العقوبات وفرض مزيد من القيود على التجارة الخارجية؛ ثالثها توسيع نطاق هذه الضغوط ليشمل العقوبات على البنوك الصينية ومحال ومكاتب الصرافة التي تستفيد منها طهران إضافة إلى اقتصاد الظل الرقمي مثل العملات المشفرة، بهدف تقليص قدرة الدولة على إدارة مواردها وتمويل القطاعات التي توفر فرص العمل والدخل.

تأثير الأزمة على سوق العمل والفقر

ترتفع كلفة الأزمة داخليا حيث تشير المعطيات إلى خسائر يومية تقدر بنحو 500 مليون دولار بسبب الحصار البحري، وفقدان ثلاثة ملايين إيراني لوظائفهم، بينما يواجه عشرة ملايين آخرون خطر فقدان وظائفهم. بالإضافة إلى ذلك دخل أربعة ملايين إيراني إضافيين إلى دائرة الفقر هذا العام، وتصل نسبة من يواجهون خطر الفقر إلى سبعين بالمئة. كما أعلنت مائة وعشرون شركة إفلاسها منذ بداية الحرب، وأغلقت نحو أربعة آلاف منشأة صناعية أبوابها، بينما تواجه ستة بنوك خطر الإفلاس، وسط أزمة وقود وانهيار متسارع للعملة بعد تجاوز سعر الدولار مليوني ريال إيراني. يطرح هذا المشهد السؤال الاقتصادي الأكثر حساسية: إلى أي مدى يمكن أن يتحول تآكل الوظائف والدخل إلى عامل ضغط سياسي على النظام؟

الاعتبارات الجغرافية والدور الصيني

يضع العتوم الضغوط الاقتصادية في سياق داخلي شديد الحساسية، فيقول إن عدد الإيرانيين الذين كانوا تحت خط الفقر قبل الحرب بلغ أربعين مليونا، قبل أن يرتفع العدد بأكثر من خمسة إلى ستة ملايين. ويضيف أن ثلاثة وعشرين مليون إيراني لا يستطيعون تأمين السلع والمواد الأساسية، وأن هذا الرقم ارتفع بنحو خمسة ملايين. وفي الجانب المالي يتحدث عن إفلاس سبعة صناديق تقاعدية وعن صعوبة دفع الرواتب من مجموعة من تسعة صناديق أساسية، بالتزامن مع انهيار العملة الوطنية واستهداف قطاع البتروكيماويات الذي يعمل فيه نحو أربعة ملايين إيراني ويمثل أربعين بالمئة من الاقتصاد خارج القطاع النفطي، ما يجعل تضرره له انعكاسات كبيرة خصوصا في المحافظات الساحلية التي قد تكون أكثر عرضة للاحتجاجات نتيجة تأثرها بدرجة أكبر قبل انتقال المواجهات إلى المراكز والمدن الكبرى.

وبشأن الاستراتيجية الأميركية، لا يرى العتوم أن واشنطن مضطرة إلى اختيار أداة ضغط واحدة، بل إن المراحل الحالية تقوم على ما يسميه “تكامل الأدوات” حيث يستطيع ترامب الانتظار اقتصاديا، واللجوء إلى الضربات العسكرية عند الضرورة، والتفاوض في الوقت نفسه، مع الرهان على الداخل الإيراني. ويعدّ الضغط على الداخل أخطر عناصر هذه الاستراتيجية بالنسبة إلى النظام الإيراني، بالتوازي مع الضغط العسكري المتدرج الذي يهدف إلى إضعاف القدرات العسكرية وإقناع طهران بأن استمرار المماطلة سيؤدي إلى خسارة المزيد من أدوات الردع. والهدف الأميركي الأساسي وفق العتوم هو دفع إيران إلى الاختيار بين اتفاق بشروط أكثر صراحة وبين استمرار التآكل الاقتصادي والعسكري، مع محاولة التأثير في الوضع الداخلي.

وفي ما يتعلق بالصين، يرى العتوم أن طهران تحاول استخدام الورقة الصينية بينما تسعى بكين إلى توظيف الورقة الإيرانية لخدمة مصالحها، مستفيدة من شراء النفط الإيراني بأسعار تفضيلية ومحاولة مقايضة هذا الملف بملف تايوان والضغط على الولايات المتحدة بشأن العقوبات الاقتصادية والتجارية. لكنه يرى أن الصين لم تبذل حتى الآن جهودا حقيقية للحد من التهديد، وأنها تستفيد من التوتر إلى حد معين بشرط ألا يتعارض مع مصالحها، ولا سيما فيما يتعلق بإغلاق مضيق هرمز والبيئة الصراعية التي خلقتها إيران في المنطقة.

من الناحية الإيرانية، يشير العتوم إلى أن الجانب الإيراني يتبنى ثلاث استراتيجيات أساسية: الأولى إعطاء الأولوية لبقاء النظام عبر إعادة ترتيب الاقتصاد بحيث تذهب الموارد المحدودة أولا إلى الغذاء والطاقة والمؤسسات الحيوية بينما تتحمل الأسر والقطاع الخاص جزءا أكبر من التضخم والانكماش؛ الثانية التقشف القسري من خلال تقليص الاستثمارات وإعطاء الأولوية للواردات الأساسية وترشيد الصناعة وإدارة الاقتصاد بما يسمح بالاستمرار عند أدنى مستوى ممكن وليس بناء اقتصاد قادر على النمو؛ الثالثة تحميل المجتمع كلفة الصمود وهي بحسب العتوم أخطر هذه النقاط في ظل ارتفاع التضخم وانهيار العملة وتراجع القوة الشرائية، وفي الوقت نفسه قد يبقى النظام المالي والأمني قائما لكن حياة الناس تصبح أكثر صعوبة.

وأخيرا لا يعتقد العتوم أن الخنق البحري سيحقق النتائج المطلوبة مستندا إلى اتساع إيران الجغرافي وطول حدوده البالغ خمسة وأربعين وثلاثة وثلاثين كيلومترا، واشتراكها بحدود مع سبع دول، وإشرافها على الخليج العربي وبحر قزوين، ومساحتها البالغة مليون ومئتين وأربعين ألفا وتسعمائة وخمسة وتسعين كيلومترا مربعا، أي ما يعادل 1.7 بالمئة من مساحة العالم ونحو 13-14 بالمئة من مساحة الدول العربية، ولديها خبرة في الالتفاف على العقوبات والبحث عن شرايين جديدة مستخدمة الموانئ الباكستانية وبحر قزوين والمسارات البرية والسكك الحديدية، معتبرا أن الحصار “لن يؤتي أكله بالشكل المطلوب”. وفي المقابل تبقى هرمز ورقة اقتصادية مضادة إذ تراهن طهران على أن خنقها قد يرتد على الاقتصاد العالمي بارتفاع أسعار النفط مولّدا ضغوطا على ترامب، بينما واشنطن تراهن على انهيار إيرادات النفط والعملة الوطنية واستمرار الخنق الاقتصادي مع استهداف صادرات النفط والناقلات العائمة التي تحمل نحو ستة وثلاثين مليون برميل. ويحدد العتوم جوهر الاستراتيجية الأميركية في الوصول بإيران إلى نقطة تصبح فيها كلفة رفض الاتفاق أكبر من كلفة تقديم التنازلات، محذرا من أن النظام الإيراني الذي يمارس “البلطجة والقرصنة” في هرمز ويهدد بالاعتداء على دول أوروبا وبلغاريا قد يلجأ إلى “الورقة الانتحارية” عندما لا يبقى لديه ما يخسره سعياً لابتزاز العالم وانتزاع تنازلات تشمل رفعا تدريجيا للعقوبات والإفراج عن أرصدة مجمدة وتأجيل الملف النووي.