ترمب يعيد تعريف قواعد الانضباط في الحزب الجمهوري: الولاية للرئيس أو الخروج

شهدت الساحة السياسية الأميركية تحولاً جذرياً في بنية الحزب الجمهوري، حيث فرض الرئيس الأميركي دونالد ترمب معادلة جديدة تقوم على أساس الولاء المطلق له. ففي الانتخابات التمهيدية الأخيرة، سقط معارضوه داخل الحزب تباعاً، وكان آخرهم وأبرزهم النائب الجمهوري توماس ماسي عن ولاية كنتاكي.
هزيمة مثيرة للجدل في ولاية كنتاكي
يعد توماس ماسي، الذي دامت عضويته في مجلس النواب 14 عاماً، من أبرز المنتقدين لترمب. فقد تحداه في أكثر من مناسبة، وبرز اسمه بقوة في قضية ملفات جيفري إبستين عندما صوّت لصالح رفع السرية عنها. كما يُعرف بمواقفه المعارضة لإسرائيل. وقد مُني ماسي بالهزيمة أمام المرشح المدعوم من ترمب، بعد أن قاد الأخير حملة شرسة ضده ووصفه بأسوأ نائب في التاريخ الأميركي. ولتأكيد الدعم، أوفد وزير الحرب بيت هيغسيث إلى الولاية لتأييد منافسه إد غالراين في مشهد غير مسبوق، إذ جرت العادة على تحييد وزير الحرب عن الأحداث الانتخابية.
وكان سباق كنتاكي التمهيدي لمجلس النواب الأعلى تكلفة في التاريخ من حيث الإنفاق على الإعلانات، إذ تجاوزت تكلفته 32 مليون دولار، وفق شركة «آد إيمباكت». وقد جاءت معظم هذه المبالغ من جماعات موالية لترمب ومنظمات داعمة لإسرائيل، التي صرفت ملايين الدولارات في إعلانات معارضة لماسي. وفي خطاب هزيمته، قال ماسي ساخراً إنه تأخر في الإدلاء بخطابه لأنه كان يحاول الاتصال بمنافسه للاعتراف بالهزيمة، واستغرق الأمر بعض الوقت للعثور عليه في تل أبيب.
تطهير الحزب من المعارضين
لم يكن ماسي الضحية الوحيدة. فقد سبق لترمب أن نجح في إبعاد السيناتور الجمهوري البارز بيل كاسيدي عن السباق التمهيدي في ولاية لويزيانا، بسبب تصويته لصالح إدانة الرئيس بعد أحداث اقتحام الكابيتول. كما فاجأ ترمب الجمهوريين في الكونغرس عندما أعلن تأييده للمرشح كين باكستون، المنتمي لقاعدة «ماغا»، في ولاية تكساس، بدلاً من السيناتور الحالي جون كورنين، أحد أبرز قيادات الحزب. ورغم أن كورنين لم يتحدَ ترمب علناً، إلا أنه لم يتماشَ مع دعواته لإلغاء آلية العرقلة في مجلس الشيوخ، مما دفع ترمب إلى وصفه بـ«الرجل الجيد»، لكنه اتهمه بعدم الولاء في «أوقات الشدة».
الحزب في حيرة بين استرضاء ترمب والمخاوف الانتخابية
يقف الحزب الجمهوري الآن في حيرة من أمره. فمن جهة، يعلم الجمهوريون أن استرضاء ترمب أمر أساسي لاجتياز الانتخابات التمهيدية، ومن جهة أخرى، ينظرون إلى أرقام شعبيته المتدنية وارتفاع الأسعار، ويقلقون من تأثير ذلك على حظوظهم في انتخابات التجديد النصفي عندما يدلي المستقلون بأصواتهم. لكن حسابات ترمب تبدو مختلفة، وهدفه واضح: توجيه رسالة تحذير لكل من يتحداه في حزبه. وقد أشار مدير الاتصالات في البيت الأبيض ستيفن تشانغ إلى ذلك بقوله: «لا تشككوا أبداً بالرئيس ترمب وقوّته السياسية». فيما قال السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام: «لا مكان في الحزب الجمهوري لمن يتحدى ترمب. هذا حزب دونالد ترمب».
استراتيجية حذرة ورسالة واحدة
في مواجهة هذا الواقع، يلعب الجمهوريون أوراقهم بحذر. فقد أثبتت النتائج أن من يعلن ولاءه المطلق لترمب يخرج فائزاً في الانتخابات التمهيدية، وقد امتد فوز المرشحين المدعومين منه إلى ولايات أخرى كجورجيا وألاباما. وكانت ولاية إنديانا أول مؤشر على هذه الموجة، عندما خسر 5 من أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين المحليين مقاعدهم بعد رفضهم التجاوب مع مطالب ترمب لإعادة رسم الخرائط الانتخابية في الولاية. أما الجمهوريون الذين فقدوا دعم ترمب، فلم يعودوا حريصين على إرضائه، وخير دليل على ذلك تصويت السيناتور بيل كاسيدي لصالح تقييد صلاحيات ترمب في حرب إيران، مما منح الديمقراطيين أول فوز لهم في مساعيهم للتصدي له. وقد انضم كاسيدي إلى الجمهوريين الثلاثة راند بول، وسوزان كولينز، وليزا مركسوفسكي في عملية التصويت الثامن في المجلس، الذي حصد 50 صوتاً مؤيداً مقابل 47 معارضاً.
وتبرز السيناتورة سوزان كولينز كمثال حي على التخطيط الحذر لترمب وفريقه للانتخابات النصفية. فرغم أن كولينز كانت شوكة في خاصرته وصوتت ضد بعض بنود أجندته، إلا أنه لم يسع لإسقاطها في ولاية ماين التي تمثلها، والتي صوتت لصالح منافسته كامالا هاريس في الانتخابات الرئاسية. فهو يعلم أن احتفاظ كولينز بمقعدها أساسي للحفاظ على أغلبية الجمهوريين في مجلس الشيوخ، ولهذا أعطاها هامشاً واسعاً لمعارضته، على أمل أن تجذب الناخبين المعارضين له في الولاية وتبقي على مقعدها.





