الرئيسيةعربي و عالميالاحتجاجات السورية 2026: انعكاس لتحديات انتقالية...
عربي و عالمي

الاحتجاجات السورية 2026: انعكاس لتحديات انتقالية عميقة

14/06/2026 07:01

تشير الوقائع الحديثة إلى أن ما تشهده سوريا من اضطرابات لا يُعدّ جديداً، إذ تتقاطع خريطة الاحتجاجات الحالية مع خطوط الصدع التي غذت الصراع السياسي في البلاد منذ أكثر من قرن. تشمل هذه الخلافات التوتر بين سلطات العاصمة والأقاليم، الأزمات الاقتصادية المتكررة، الصراع بين الجمعيات المهنية والمجتمع المدني من جهة، وهيمنة الدولة من جهة أخرى، بالإضافة إلى صعوبة الموازنة بين تحرير الاقتصاد وضمان الاستقرار السياسي.

التحديات المتزامنة أمام الحكومة الانتقالية

تجد السلطة التي تأسست حديثاً نفسها أمام مجموعة من العقبات المتشابكة؛ فإدارتها للاقتصاد، وتعاملها مع دوائر انتخابية متنافسة، وتعزيز سيادتها، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، كلها تتطلب جهداً كبيراً في وقت تُقدر فيه تكاليف إعادة إعمار ما بعد الحرب نحو 216 مليار دولار. حتى الدول ذات الخبرة المؤسسية الواسعة والموارد الضخمة تجد صعوبة في تنفيذ مثل هذه المهمة.

الاحتجاجات كنتيجة متوقعة للمرحلة الانتقالية

إن الاحتجاجات الحالية لا تمثل طفرة مفاجئة، بل هي نتيجة متوقعة لمرحلة انتقالية معقدة عقب سقوط نظام بشار الأسد. وقد كشف هذا السخط الشعبي عن مجموعة من الضعف الهيكلي في نظام الحكم السوري، والتي قد تشكل على المدى المتوسط تهديداً أكبر للاستقرار من الاحتجاجات نفسها.

طبيعة الحراك الشعبي ومصادره

الموجة الحالية ليست حركة معارضة منظمة ولا حملة يقودها أنصار النظام السابق لتقويض السلطة الانتقالية، كما أنها لا تدل على انحدار سوريا نحو الانهيار. بل تعكس حيوية المجتمع ورغبة أوسع في محاسبة الحكومة عبر القنوات المتاحة، وهي الاحتجاجات العامة. يغلب على المتظاهرين الانتماء إلى الأغلبية العربية السنية التي تشكل القاعدة الاجتماعية للحكومة. ومن بين المشاركين سائقون يرفعون علم الثورة مع اعتراضهم على السياسات الجمركية، ومزارعون في رقة يطالبون بالاعتراف بدورهم الحيوي في الأمن الغذائي عبر اعتصام «سنابل الكرامة»، وممرضات ينسرن طلباً للمساواة في الأجور مع الأطباء.

استجابة الحكومة وإمكانية التآكل التدريجي

في الوقت الراهن، تظهر الحكومة قدرًا من التسامح تجاه المتظاهرين، وتظهر أحيانًا استعدادًا لتقديم تنازلات أو الاستجابة لبعض المطالب. يمثل ذلك تحولًا نوعيًا مقارنةً بأسلوب التعامل مع الاحتجاجات خلال العقود الخمسة الماضية، وإن كان لا يزال معيارًا منخفضًا. الخطر الحقيقي المستقبلي لا يكمن في انهيار مفاجئ أو انقسام حاد، بل في عملية تآكل تدريجية قد تحرم الحكومة من تحقيق تحسينات اقتصادية ملموسة، وتؤدي إلى تركيز أكبر للسلطة، مما يجعل تصحيح المسار أصعب. وبهذا، قد تتحول الاستجابة إلى معالجة كل أزمة على حدة، مما يضعف القاعدة الشعبية للسلطة ويقلل من صبر الجمهور.

معهد واشنطن