الرئيسيةعربي و عالميجنيف تشهد تصعيدًا دبلوماسيًا بين إيران...
عربي و عالمي

جنيف تشهد تصعيدًا دبلوماسيًا بين إيران والولايات المتحدة وسط تراجع حدة الصراع

22/06/2026 11:01

في ساحة الحروب، لا يُقاس النصر دائمًا بكون الطرف هو الأسرع في إطلاق النار أو بقوة الصدمة العسكرية، بل يُقاس بقدرته على الصبر وتوجيه المفاوضات نحو حلول مبتكرة تتفوق على ما يقدمه الخصم.

تحولات دبلوماسية في جنيف

تظهر الاجتماعات والتحركات الدبلوماسية التي تجري اليوم في جنيف كأول خطوات تتبع سلسلة من المبادرات التي سبقها، حيث تسعى الأطراف إلى إعادة رسم ملامح المشهد بعد أشهر من تصاعد التوتر الذي بدا في البداية كخط مستقيم متجه نحو العنف، ثم تحول إلى شبكة من التعقيدات لم يتوقعها كثيرون.

إيران تعيد ترتيب أوراقها

عندما اندلعت المواجهة الأخيرة، كان من المتوقع أن تتخذ الولايات المتحدة وإسرائيل مواقف قوية من موقع القوة، مع افتراض أن الضغوط العسكرية والاقتصادية ستجبر طهران على الانسحاب أو على الأقل على القبول بشروط أكثر صرامة. غير أن مسار المفاوضات انحرف عن هذا التوقع؛ فإيران، رغم ما تعرضت له من خسائر وضربات، لم تتراجع سياسيًا، بل قامت بترتيب استراتيجيتها تدريجيًا وتحويل نقاط ضعفها إلى وسائل ضغط جديدة.

ومن بين هذه الأدوات، تكررت تهديداتها بإغلاق مضيق هرمز، مع إصرارها على إدراج لبنان ضمن أي اتفاق محتمل، ومطالبتها بتعويضات ورفع الحصار قبل الإقدام على أي خطوة تفاوضية. كما رددت بإنكار أي إهانة قد تدفعها إلى توسيع قدراتها الصاروخية والنووية.

وساطات متعددة ونتائج متباينة

تعددت محاولات الوساطة من دول إقليمية وعالمية، إلا أن كثيرًا منها باء بالفشل، وبعض الوسطاء استغلوا الوضع لتحقيق مكاسب شخصية، مما أسهم في تشويه الصورة العامة للمفاوضات. وعلى الجانب الأمريكي، تبدلت مواقفه لتصبح أقل حماسًا نحو حل حاسم، متأثرًا بما يفرضه الصراع الطويل من تكاليف سياسية واقتصادية، إضافة إلى الانقسامات الداخلية والضغوط الانتخابية المتصاعدة، ورغبة الإدارة في الظهور كحامل لسند السلام.

المستمر من التوتر يثقل كاهل الحلفاء ويؤثر سلبًا على الاقتصاد العالمي، ما يدفع إلى اعتبار الحل الدبلوماسي أكثر حكمة من السعي إلى انتصار عسكري شامل.

إسرائيل في مفترق طرق

من جانبها، وجدت إسرائيل نفسها أمام واقع أكثر تعقيدًا من ما توقعت، فآمالها في إحداث تغيير جذري في موازين القوى الإقليمية لم تتحقق، ولا يمكن تعويض ذلك بمجرد الصداقات السياسية. الأمن المطلق الذي سعت إليه لم يتحقق، والتهديدات ما زالت قائمة، وطموحاتها المتوسعة تراجعت، مع تزايد التساؤلات حول تكلفة الصراع ومدى قدرة الإنجازات العسكرية على تحويلها إلى نتائج سياسية ملموسة.

وبالتالي، يبدو أن اجتماع جنيف الحالي لا يُعَدّ بمثابة ساحة لتوقيع اتفاق تاريخي أو ضمان سلام دائم، إذ لا يزال الفجوة بين المطالب متسعة، والثقة المتبادلة شبه معدومة، وتظهر الجهود الوسيطية في تقليل الخسائر أكثر من بناء تسوية ثابتة.

ما يُطرح اليوم لا يتماشى مع الرؤى التي طرحها الرئيس السابق عندما وعد باتفاق “أفضل” من الاتفاق النووي السابق، ومع استمرار الأزمة وتعدد التنازلات والشروط السرية والعامة، تتعاظم الفروقات وتصبح الحسابات أكثر تعقيدًا، بينما تسعى دول الجوار المتضررة إلى استعادة حقوقها، ما يؤدي إلى احتمال أن يكون أي اتفاق محتمل مجرد تسوية مشوهة تحمل بذورًا لخلافات مستقبلية أكبر.

من المرجح أن ما سيأتي بعد هذه المرحلة لن يشبه ما كان سلفًا، وأن تبعاتها السياسية ستستمر في التأثير على جميع الدول المشاركة لسنوات قادمة، سواء توصل الطرفان إلى اتفاق أو عادت دائرة العنف من جديد.