البابا ليون الرابع عشر يبدأ أول زيارة بابوية إلى فرنسا عائداً إلى جذوره النورماندية

ينطلق البابا ليون الرابع عشر، أول حبر أعظم في التاريخ يحمل الجنسية الأمريكية، يوم الجمعة في زيارة إلى فرنسا تستمر ثلاثة أيام. تحمل هذه الزيارة طابعاً رمزياً خاصاً، إذ أنها الأولى لهذا البابا إلى فرنسا، البلد الذي تنحدر منه أصول عائلته من منطقة النورماندي شمال غرب البلاد.
جذور عائلية تمتد إلى شمال فرنسا
على الرغم من أن البابا ليون الرابع عشر، واسمه الحقيقي روبرت بريفوست، ولد في شيكاغو عام 1955، إلا أن جذوره العائلية مرتبطة بقوة بفرنسا. فجدته الكبرى من جهة والده، سوزان لويز-ماري فونتين، ولدت في مدينة لوهافر في منطقة النورماندي بتاريخ 2 فبراير 1894. كانت ابنة خباز يُدعى إرنست-أوغست فونتين وجان-أوجيني بريفوست التي لم تكن تعمل.
هاجرت سوزان لويز-ماري فونتين إلى الولايات المتحدة عام 1915 خلال الحرب العالمية الأولى، واستقرت في نيويورك. هناك تعرفت على رجل من صقلية اسمه سالفاتوري ريغيتانو وتزوجت منه. أنجب الزوجان ولدين لم يتمكنا من حمل اسم العائلة، فمُنحا اسم عائلة الجدة من جهة الأم: بريفوست. أحد هذين الولدين، لويس-ماريوس بريفوست (المعروف باسم روبرت بريفوست)، المولود خارج إطار الزواج عام 1920، هو والد البابا الحالي.
خدم روبرت بريفوست في الجيش الأمريكي خلال الحرب العالمية الثانية، وعاد إلى سواحل النورماندي موطن أجداده أثناء إنزال الحلفاء في 6 يونيو 1944. كما شارك في إنزال بروفانس قرب مرسيليا، واختتم الحرب برتبة ملازم في البحرية.
الروحانية الفرنسية في صلب اهتمامات البابا
يقول الباحث الأمريكي كريستوفر وايت من جامعة جورج تاون، مؤلف كتاب عن البابا ليون الرابع عشر، إن للبابا روابط فرنسية من جهتين: فجدته الكبرى من جهة والده ولدت في النورماندي، بينما أصول والدته تعود إلى فرنسا وكندا ومنطقة الكاريبي. ويشير موقع متخصص في الأبحاث العائلية إلى أن أصول البابا تعود بنسبة 40% إلى فرنسا، واصفاً إياه بأنه فرنسي في غالبيته من الناحية الجينية.
رغم أن الثقافة الفرنسية لم تنتقل بقوة إلى الأحفاد، إلا أن البابا يظهر اهتماماً متزايداً بالروحانية الفرنسية. ويؤكد مارتان دومون، الأمين العام لمعهد أبحاث دراسة الأديان، أن البابا لا يتحدث الفرنسية بطلاقة لكنه يتعلمها حالياً بشكل مكثف. ويضيف وايت أن ليون الرابع عشر لا يعرف سوى القليل عن تاريخ فرنسا لكنه يبدي اهتماماً متزايداً بهذا الموضوع.
فبعد انتخابه في 28 مايو 2025، وجّه البابا رسالة إلى أساقفة فرنسا بمناسبة مرور مئة عام على إعلان قداسة القديس يوحنا أود والقديس يوحنا ماري فياني والقديسة تيريز الطفل يسوع. ويوضح دومون أن البابا أراد من خلال هذه الرسالة تشجيع الكاثوليك على الاهتمام بتاريخهم الديني، آملاً في انطلاقة تبشيرية جديدة في فرنسا.
زيارة تاريخية إلى لورد
يزور البابا خلال هذه الرحلة مزار لورد في جنوب فرنسا، ثاني أهم موقع للعبادة الكاثوليكية بعد روما، حيث سيقيم هناك يومي السبت والأحد. ويشير مارتان دومون إلى أن ليون الرابع عشر زار لورد مرتين سابقتين: الأولى عندما كان طالباً في التاسعة عشرة من عمره، والثانية عندما كان كاهناً شاباً في التاسعة والعشرين. ويضيف أن المكان يحتل موقعاً خاصاً لدى جميع البابوات لكونه موقع ظهور السيدة العذراء، ويأتي المؤمنون إليه بحثاً عن السلام والسلوى، وهو بُعد مهم من التقوى الشعبية بالنسبة لليون الرابع عشر.
بعد تعيينه كاهناً في رهبنة القديس أوغسطين عام 1982 في روما، لم يمكث البابا طويلاً في أوروبا، بل عمل مبشراً في بيرو لأكثر من عشرين عاماً، حيث حصل على الجنسية البيروفية. ولم تتح له فرصة العودة إلى فرنسا إلا في عهد البابا فرنسيس، الذي عيّنه عام 2023 رئيساً للدائرة المسؤولة عن تعيين الأساقفة في العالم، مما أتاح له مرافقة البابا فرنسيس في زيارات إلى مرسيليا في سبتمبر 2023 وكورسيكا في ديسمبر 2024.
كتاب فرنسي يلازم البابا
خلال رحلة العودة من زيارته إلى لبنان في ديسمبر 2025، أخبر البابا الصحفيين أن الكتاب الذي يقرأه دائماً هو كتاب “ممارسة حضور الله” للوران دو لا ريزوركسيون، وهو راهب كرملي فرنسي من القرن السابع عشر من منطقة لورين. ويقول ليون الرابع عشر إن هذا الكتاب يعبّر عنه حقاً، ويرى في مؤلفه مثالاً لمن يهب حياته ببساطة إلى الله. ورغم أن هذا الراهب قد نُسي في فرنسا، إلا أن كتاباته أصبحت من الأكثر مبيعاً في إنجلترا والولايات المتحدة.
أما الجدة الكبرى سوزان فونتين، التي هاجرت قبل أكثر من قرن، فقد توفيت عام 1979 في ديترويت عن عمر يناهز 85 عاماً. ولا يُعرف إن كانت قد عادت إلى فرنسا يوماً، لكن نعيها وصفها بأنها “جدة محبة” لأحفادها الثلاثة: لويس وجون وروبرت، البابا الحالي، الذي يعود اليوم إلى أرض أجداده.





