دول الخليج تسعى لتشكيل البيئة الجيوسياسية لمرحلة ما بعد المذكرة الأميركية الإيرانية

في تحليل جديد نُشر الاثنين 29 يونيو 2026، يطرح الكاتب تركي غوبلان رؤية تتجاوز تقييم المذكرة الأميركية الإيرانية ذاتها، داعياً إلى مساءلة أعمق للبيئة التي أنتجتها وإلى صياغة عقل استراتيجي خليجي قادر على التأثير في البيئة التالية.
المطلوب على المستوى الخليجي، وفق الكاتب، ليس أن تكون دول الخليج طرفاً في كل اتفاق، بل أن تكون فاعلاً في تشكيل البيئة التي تجعل الاتفاقات المقبلة أكثر التصاقاً بشروط الاستقرار الإقليمي ومصالح أمن المنطقة. فمكانة الدول في السياسة الدولية لا تقاس بعدد المقاعد التي تشغلها على طاولات التفاوض، بل بقدرتها على تشكيل الشروط التي تجعل بعض الاتفاقات ممكنة، وبعضها الآخر مكلفاً أو متعذراً.
من منطق المشاركة إلى منطق تشكيل البيئة
لفهم هذا الانتقال من منطق المشاركة في الاتفاق إلى منطق تشكيل البيئة، ينبغي العودة إلى الكيفية التي تشكلت بها البيئة التي أفضت إلى مذكرة فيرساي. فهذه البيئة لم تتشكل في أروقة فيرساي ولا في جلسات التفاوض التي سبقتها، بل تشكلت على مدى أشهر من الضغط التأسيسي المتراكم الناتج عن تداخل الضغوط العسكرية والاقتصادية والسياسية والإقليمية، الذي أعاد هيكلة حسابات طهران حتى باتت المفاوضة أقل تكلفة من الاستمرار في الحرب.
غير أن الإنصاف التحليلي يستوجب الإشارة إلى أن هذه البيئة لم تتشكل بأداة واحدة. فإلى جانب هذه الضغوط المتراكمة، قدمت إدارة ترامب لطهران مكاسب انتقائية، بما يكشف أن المنطق التفاوضي لم يكن إذعاناً أحادياً بل هندسة للإغراء الموازي للإكراه، وهو ما يجعل المذكرة في نهاية المطاف نتاج معادلة مركبة لا انتصاراً صافياً لطرف على حساب الآخر.
دور القوى الإقليمية في تهيئة السياق
كما أسهمت مواقف القوى الإقليمية، وفي مقدمتها دول الخليج، من خلال سياسات احتواء التصعيد والحفاظ على استقرار أسواق الطاقة والممرات البحرية، في تشكيل السياق الذي جرت فيه تلك المفاوضات، وإن لم تكن طرفاً مباشراً فيها. فتهيئة البيئة التفاوضية لا تنتجها قرارات القوى الكبرى وحدها، بل تسهم فيها أيضاً سياسات القوى الإقليمية وقدرتها على ضبط التصعيد وصياغة المصالح المشتركة، ومنع انتقال الأزمات إلى مستويات أكثر كلفة وخطورة.
من هنا، فإن السؤال الأعمق الذي يجب أن تطرحه دول الخليج اليوم ليس عن المذكرة الماضية بل عن البيئة القادمة: أي بيئة ستنتج التسوية الدائمة أو الأزمة التالية؟ ومن يمسك بمتغيراتها الآن؟
تشخيص البيئة الجيوسياسية السائلة
الإجابة تبدأ بتشخيص دقيق لطبيعة البيئة الجيوسياسية التي نعيشها. هذه البيئة لا تعمل وفق منطق الأقطاب الثابتة التي تتنافس على حصص نفوذ محددة مسبقاً، بل وفق منطق أكثر سيولة وأقل قابلية للتنبؤ، إذ تتداخل فيها مسارات الصراع ومسارات التسوية في الوقت ذاته، وتتشابك حسابات الفاعلين الكبار مع حسابات الفاعلين الإقليميين بطريقة تجعل من يملك موقعاً وظيفياً في أكثر من مسار واحد يحتل مزية بنيوية على من يلتزم مساراً واحداً.
في هذه البيئة بالذات تكتسب الاستقلالية الإيجابية قيمتها الكاملة، لأنها ليست ترفاً دبلوماسياً بل ضرورة لمن يريد أن يكون صانعاً للبيئة لا رهينة لمخرجاتها. التأثير في البيئة لا يعني امتلاك القدرة على منع الاتفاق أو فرضه، بل يعني شيئاً أبقى أثراً: تشكيل الشروط التي تجعل بعض التسويات ممكنة وبعضها مستحيلاً دون إعلان ذلك صراحة.
ثلاثة مسارات متوازية للتأثير
هذا التأثير، من وجهة نظر الكاتب، يتحقق عبر ثلاثة مسارات متوازية لا يكفي أحدها وحده.
المسار الأول هو الهندسة الاقتصادية للمنطقة. إذ حين تكون المشاريع الكبرى الخليجية، مثل شبكات النقل وممرات الطاقة والتكامل اللوجستي، قد رسمت خريطة مصالح مترابطة تشمل دولاً وشركات وتدفقات رأس مال، تصبح أي تسوية إقليمية ملزمة ببنيان قائم لا تستطيع تجاهله دون أن تفقد مصداقيتها الاقتصادية. “الردع بالتنمية” هنا لا يعمل كتهديد بل كواقع هيكلي تكلف مخالفته أكثر مما تجدي.
المسار الثاني هو تشكيل الأجندة الأمنية الإقليمية، وهو أكثر المسارات تعقيداً وأقلها حضوراً في الخطاب الخليجي الراهن. فحين تعالج المفاوضات الأميركية الإيرانية ملفات بعينها دون أن تدرج في أجندتها الوكلاء الإقليميين وأمن الممرات من باب المندب إلى هرمز والتعافي السياسي في لبنان والسودان واليمن، تكون هذه الأجندة المبتورة هي ذاتها إنتاجاً لبيئة هشة ستفرز أزمة تالية. وعلى الخليج أن ينتج أجندة موازية تدرج هذه العناصر الغائبة وتقدمها ليس كمطالب خليجية بل كشروط بنيوية للاستقرار الإقليمي الحقيقي، بما يجعل إغفالها ثغرة موضوعية في أي اتفاق لا موقفاً سياسياً قابلاً للتفاوض.
المسار الثالث هو توقيت الفعل. البيئة الجيوسياسية لا تبقى على حالها بين لحظة التوقيع ولحظة التنفيذ، لكنها في حالة تحول مستمر تصنعه التفاصيل اليومية: تأخير هنا، وتصريح هناك، وحادثة أمنية تعيد ترتيب الأولويات. في هذه المساحة بالذات يكمن هامش التأثير الأوسع لمن يملك الأدوات والموقع والإرادة. فكل أسبوع يمر بعد توقيع المذكرة دون أن تنتج دول الخليج موقفاً واضحاً في مسار ما بعد التوقيع هو أسبوع تتصلب فيه البيئة في اتجاه رسمه الآخرون. والتأثير في البيئة لا يشترى بعد أن تتصلب بل يبنى بينما هي لا تزال سائلة.
التحول المطلوب: من الاستجابة إلى التأسيس
ما يعنيه كل هذا عملياً هو أن الخليج يحتاج اليوم إلى تحول في مستوى التفكير لا في مستوى السياسات فحسب. التحول من سؤال “كيف نتعامل مع الاتفاق؟” إلى سؤال “كيف نؤثر في البيئة التي أنتجته؟” ليس مجرد تغيير في صياغة السؤال، بل هو انتقال من منطق الاستجابة إلى منطق التأسيس. ومنطق التأسيس لا يقف عند حدود المذكرة الراهنة، بل ينظر إلى ما بعدها: أي بيئة نريد أن تنتج التسوية الدائمة؟ وما الأدوات التي نملكها لبنائها؟ وما الوقت الذي لا يزال متاحاً قبل أن تتصلب ملامحها على يد غيرنا؟





