الرئيسيةالرياضةالتعصب الرياضي يغتال روح الأخضر: دعوة...
الرياضة

التعصب الرياضي يغتال روح الأخضر: دعوة للإعلام لمراجعة الخطاب

كان يُنظر قديماً إلى التعصب الرياضي باعتباره ظاهرة اجتماعية محدودة لا تتجاوز المناكفات المحلية، لكنه تحول الآن إلى عدوى مؤذية تمتد جذورها لتطال ثوابت الوطنية. لم يعد الأمر مقتصراً على الجدل حول اختيارات قائمة المنتخب، بل انتقل من المدرجات إلى أروقة الإعلام الرياضي، ليصبح ظاهرة تستدعي وقفة جادة ومراجعة شاملة.

إصرار أعمى على حساب المنتخب

يفضل الإعلامي المتعصب في الوقت الراهن أن يرى لاعباً مستنزفاً يقدم أداءً سيئاً ويتحمل ضغوطاً نفسية تفوق طاقته، فقط ليبقى في مكانه؛ والسبب هو الرغبة في إثبات أنه اللاعب التاريخي للنادي المفضل. لقد غاب عن هؤلاء أن كرة القدم لا تعترف بالعواطف؛ ففي تسعين دقيقة، أي إصرار على إبقاء لاعب لا يقدم الإضافة يعد بمثابة هدف يدخل شباك المنتخب قبل شباك الخصم.

إن الإصرار الأعمى على تصدير صورة اللاعب الخارق أو الهداف التاريخي لمجرد انتمائه لنادٍ معين، هو نهج كارثي. فما الفائدة من صاحب رسالة يفضل التعصب وتسليط الأضواء للانتصار لرأيه وفكره الشخصي؟ هذا النوع من الطرح سحب البساط بالكامل عن فكرة صناعة المحتوى الناضج والحقيقي، الذي كان من المفترض أن يتلون بألوان المنتخب فقط، لا بألوان الأندية. لقد تحول الإعلامي من باحث عن الحقيقة إلى متمسك برأيه حتى لو كان على حساب استقرار الأخضر.

تأثير خطير على الجيل الجديد

الأكثر خطورة هو الأثر الذي يتركه هذا الطرح على الجيل الجديد من المشجعين؛ الشباب الذين يتابعون هذه المساجلات المتعصبة يتربون على أن الرياضة مجرد ساحة للمناكفة والتقليل من الآخر، بدلاً من أن تكون جسراً للتقارب والروح الرياضية. يتحمل الإعلامي هنا مسؤولية أخلاقية في تربية الذوق العام للجمهور، فبدلاً من صب الزيت على النار، يجب أن يكون صمام الأمان الذي يرتقي بوعي المشجع، ويدرك أن قوة المنتخب تكمن في تنوعه وتكاتف جماهيره من مختلف الأطياف.

الإعلام الرياضي واجهة المملكة

يجب إدراك أن الإعلام الرياضي اليوم هو واجهة مهمة للمملكة أمام العالم. كما نشهد قفزة في تنظيم المحافل العالمية وتطوير البنية التحتية، يجب أن يوازي ذلك تطور في الخطاب الإعلامي ليصبح أكثر مهنية ورصانة. فمغادرة كأس العالم 2022، وما تلاها من عقبات في تصفيات المونديال الأخير (صيف 2026) الذي انتهى بمستويات حملت أخطاء واضحة، جعلت من مغادرة البطولة الآن فشلاً ذريعاً كان يجب أن يكون محطة للوقوف والمراجعة الجادة في وقتها.

نشاهد اليوم تكراراً للأمس في بطولة كأس العالم 2026، وهي مرحلة لا مجال فيها لتكرار أخطاء الماضي؛ إذ يجب أن يكون النتاج مبتكراً وصحيحاً، يرتكز على تقييم فني للأداء السابق، لا على ترقيع الأخطاء بعاطفة تنجرف تحت ضغط محاباة الأندية. لقد تفوقت الجماهير الحالية على الكثير من الأصوات الإعلامية في دقة التقييم والمطالبة بالتغيير؛ فالجماهير الحقيقية هي من فصلت شعار النادي عن شعار المنتخب، وهي من تطالب بالصدق في اختيار الموهبة والابتعاد عن المجاملات.

الحل: ميثاق مهني وشراكات استراتيجية

ولأننا لا نكتفي برصد الخلل، فإن الحل يبدأ من ميثاق مهني يلزم الإعلامي بالاستناد إلى لغة الأرقام والتحليل الفني بعيداً عن عاطفة المدرجات. الإعلامي الحق هو تلك الجوهرة المضيئة التي تسعى لتقديم رسالة صادقة ومحايدة، تبتعد عن التعصب الكروي وعن التغاضي والتبرير غير المنطقي؛ فهو لا يبتعد عن أساس الواقع، بل يخاطب الجمهور بالحقيقة دون عبث أو تزييف، ينتقد ما يستحق النقد، ويثني على من تميز وأبدع.

هذه المسؤولية لا تقع على عاتق الإعلام وحده؛ بل هي أمانة مشتركة على كاهل الاتحاد السعودي لكرة القدم والمؤسسات المعنية، للعمل على دمج شراكات استراتيجية تهيئ بيئة حاضنة للشباب الواعد. نطمح إلى تبني أكاديميات تدريبية متخصصة، لا تكتفي بجذب المواهب فحسب، بل تعمل على تقييمها وفق معايير احترافية، ووضع مخرجاتها في المحافل والميادين التي تستحقها، ليكونوا هم صوت المنتخب القادم، الذي يعيد للمحتوى الرياضي هيبته، وللمنتخب وهج ألوانه بعيداً عن صخب التعصب.

المرحلة الحالية تستدعي من الإعلام الرياضي وقفة تأمل صادقة: هل نختار أمانة الكلمة ونرتقي بالمنتخب، أم نغرق في عاطفة المدرج ونفقد البوصلة؟ الكلمة أمانة، والمنتخب هو الغاية.