الرئيسيةعربي و عالميتفسير آية «وتلك الأيام نداولها بين...
عربي و عالمي

تفسير آية «وتلك الأيام نداولها بين العرب» وإعادة قراءة مفهوم الدولة والخلافة في الإسلام

02/07/2026 09:01

يستند ما يقدّمه ابن عطية في تفسيره إلى حادثة قرأ فيها أحد العرب الآية: «وتلك الأيام نداولها بين العرب». عندما نُقِل إليه أن النص الأصلي هو «بين الناس»، ردّ عليه قائلاً: «إنا لله، لقد ذهب ملك العرب ورب الكعبة». يفسّر هذا القول أن كلمة «نداولها» تُستمد من جذر «دولة»، وأن القارئ لم يدرك أن ما يعنيه هو انتقال الدولة –التي يُقصد بها الدين في هذا السياق– من العرب إلى غيرهم. وهذا الفهم يُعطي أساسًا لتفسير الخلافة التي نشأت عقب وفاة النبي.

الخلافة في القرآن ومفهومها الوجودي

تظهر كلمة «خليفة» في القرآن في مواضع متعددة، وأحد أبرزها في قوله: «إني جاعل في الأرض خليفة». من هذا المنطلق يُستدل على أن الإنسان كنوع هو الخليفة، أي أن كل فرد هو خليفة بحد ذاته. وبالتالي تُظهر الخلافة حالة سابقة لظهور الدولة أو الدين، حيث لم يجد العرب بعد وفاة النبي وصفًا يطابق خليفة النبي سوى ما يقترب من استعادة مكانة شبيهة بالنبوة.

لكن فترة الخلافة الراشدة عرفت من الفتنة والاضطراب ما أدى إلى فشل محاولات العرب للرجوع إلى حالة ما قبل الدين أو الدولة. انتهى الأمر بأن يتدخل معاوية بن أبي سفيان، فأسس الدولة الأموية وربط الدين بلب الدولة، لتصبح الدين قلبًا للسلطة.

معنى «ملك العرب» وتفرد المفهوم العربي

تجدر الإشارة إلى أن الرواية تُظهر أن المتحدث العربي استعمل عبارة «ملك العرب» دون الإشارة إلى «دولتهم». هذا يدل على أن العرب كان لديهم تصور خاص لمصطلح «ملك» لا ينفصل عن مفهوم الدولة الدينية أو مجتمع الدين. عندما ظهر الإسلام، كان النبي يُنظر إليه كـ«ملك» بالمعنى العربي التقليدي، لا كـ«ملك» إمبراطوري تفصل الدين عن الدولة كما هو الحال في نماذج غير عربية.

في ذهن العرب، كان كل فرد يتنازل عن حقه في الخلافة –التي استُقذت من الآية المذكورة– إلى النبي، لتتشكل لحظة نبوة ينسجم فيها المجتمع من تلقاء نفسه، مؤمنًا بأن النبي هو ملك العرب الذي سيجعل الدنيا «تُدين» لهم.

دور كلمة «تدين» في خطاب النبي إلى قريش

يُستدل على هذا الفهم من قول النبي لقريش: «أريد منكم كلمة (تُدين) لكم بها العرب، وتؤدي لكم الجزية العجم». يُفهم من ذلك أن المقصود هو جعل الدنيا بأسرها، داخل وخارج بلاد العرب، تخضع لتقليد الدين على الطريقة العربية. وهذا يتقاطع مع قول أحد العرب في العصور الأولى للإسلام: «لا أعرف ذنبي إلا في الجماعة»، ما يشير إلى أن امتعاض الجماعة يُعد علامة على الخطأ، وبالتالي يُظهر أن الإسلام يُنظر إليه كدولة للمجتمع أو مجتمع للدولة.

الحديث النبوي «لا تجتمع أمتي على ضلالة» يعزز فكرة أن الحكم والمعيار يُعتمد على الجمع والتآزر الاجتماعي.

التمييز بين الخلافة والملك في التاريخ الإسلامي

تُظهر المقالة أن كلمة «الخلافة» تدل على خلق مجتمع يطبق الشريعة تلقائيًا على الحاكم والمحكوم على حد سواء، وتُقابلها كلمة «الملك» التي أُطلقت على مقام النبوة نفسه في بداية المقال. أما «الملك» الذي ظهر مع دولة معاوية بن أبي سفيان، فهو صُنع لتلبية أهداف المجتمع بعد استقرار مفهوم المجتمع الشرعي.

هذا التمييز يوحي بأن الخلافة لا تُفهم إلا بوجود النبي، إذ كان يُنظر إليه كـ«ملك» بمعنى النبوة عند العرب، وليس كـ«خليفة» بالمعنى العام. ومع ذلك، أشار النبي إلى ضرورة التمسك بسنته وسنة الخلفاء الراشدين بعده، ما قد يُفسّر كتمرير «ملكية» النبوة إلى الخلفاء.

تجسدت الصعوبات في تطبيق هذا المفهوم عبر تجارب الخلفاء: فأبو بكر الصديق واجه غضب جماعة عربية، وعمر وصف فترة ولايته بأنها «فلتة»؛ ثم اغتال ابن الخطاب على يد شخص أعجمي؛ وتعرض ابن عفان لهجمات خوارج انتهت بقتله؛ ومات الإمام علي بن أبي طالب بعد تعرضه للسم لمدة شهر. كل هذه الوقائع تطرح سؤالًا حول ما إذا كانت الخلافة مرحلة تمهيدية قبل الدين.

وبما أن العرب لم يتعرفوا على مرحلة سابقة للدين أو الدولة، فقد أودى ذلك بحياة كل من سعى لأن يكون خليفة للنبي، إلا أن معاوية بن أبي سفيان أدرك الفجوة بين الدين والدولة، فضع حداً صغيرًا بينهما، لتنمو الفكرة ككرة ثلجية تنكسر لاحقًا في الدولة العباسية، لتنتقل ملكية العرب إلى غيرهم، وهو ما يتماشى مع تفسير الآية «وتلك الأيام نداولها بين الناس».

نظرة معاوية إلى وظيفة الدولة

لم يسأل ابن الخطاب معاوية عن هدف الدولة، إذ لم يكن يرى فصلاً بين الزمان والمكان أو فكرة الدولة بمعزل عن الدين. ومع ذلك، فاجأ معاوية عمر بسؤاله عن وظيفة الدولة، فأجاب بقول مشهور: «لكي يهاب الناس الدولة». هذه الوظيفة البسيطة تشكل الأساس الذي تطورت منه آلية عمل الدولة الإسلامية في ما بعد.