الرئيسيةاقتصادضرورة رفع معايير السلامة في الأبراج...
اقتصاد

ضرورة رفع معايير السلامة في الأبراج الشاهقة وفق دراسة حديثة

02/07/2026 13:01

تشهد منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا طفرةً عمرانية غير مسبوقة، مدفوعةً برؤى وطنية طموحة تسعى إلى إنشاء مدن ذكية ومقاصد سياحية عالمية ومشاريع عقارية ضخمة تعيد تشكيل المشهد الحضري. تتنوع هذه المشاريع بين ناطحات سحاب ومجمعات متعددة الاستخدامات إلى مدن مستقبلية، حيث تستثمر الحكومات مليارات الدولارات لتأكيد مكانتها كمراكز رائدة في الأعمال والسياحة والابتكار.

السلامة كعامل أساسي في نجاح المشاريع

مع تسارع وتيرة التوسع، برزت السلامة كمعيار أساسي لضمان نجاح هذه الاستثمارات، لا سيما الالتزام بأكواد البناء وأنظمة الوقاية من الحرائق. لم يعد نجاح المبنى يُقاس فقط بجمال تصميمه أو كفاءته أو التزامه بمبادئ الاستدامة، بل يُقاس أيضاً بقدرته على حماية الأرواح وضمان استمرارية الأعمال وتقليل المخاطر عند وقوع الحوادث. ومع ارتفاع الأبراج وتعقيدها المتزايد، أصبحت استراتيجيات مكافحة الحرائق جزءاً لا يتجزأ من مراحل التصميم، الإنشاء، والتشغيل، وليس مجرد شرط تنظيمي للحصول على الموافقات.

بيئة معمارية أكثر تعقيدًا وتحديات أكبر

في السنوات الأخيرة، تحول شكل المشاريع العمرانية لتضم في كلٍّ منها وحدات سكنية، فنادق، مكاتب، مساحات تجارية وترفيهية. إضافة إلى ذلك، دمجت هذه المشاريع تقنيات حديثة مثل أنظمة المباني الذكية، الطاقة المتجددة، وحلول تخزين الطاقة. هذا التنوع يُنشئ تحديات جديدة في مجال السلامة من الحرائق، إذ يختلف تخطيط الإخلاء في برج يضم آلاف السكان والزوار يومياً عن إدارة إخلاء مبنى مكتبي تقليدي، ما يجعل التخطيط المسبق أمراً حاسماً لحماية الأرواح.

السلامة من الحرائق كعامل استثماري

لم تعد الوقاية من الحرائق مسؤولية فرق المشروع أو الجهات التنظيمية فقط، بل أصبحت عاملاً مؤثراً في قرارات المستثمرين وشركات التأمين وحتى المستأجرين. يولي المستثمرون اليوم اهتماماً أكبر لإدارة المخاطر، وتعتبر شركات التأمين أنظمة الحماية من الحرائق من أهم معايير تقييم المشاريع. على الجانب الآخر، يزداد وعي السكان والمستخدمين بمعايير السلامة ويتوقعون مستويات أعلى من الحماية في المباني التي يعيشون أو يعملون فيها. وبالتالي، لم يعد الامتثال لأكواد البناء مجرد شرط للحصول على الموافقات، بل أصبح عنصرًا أساسيًا في قيمة الأصول واستدامة الأعمال وثقة أصحاب المصلحة، خاصةً مع النمو العمودي المستمر للمباني في دول مجلس التعاون الخليجي.

أكواد البناء الدولية ودورها في تعزيز الأمان

تستند جهود بناء مدن أكثر أماناً إلى أطر تنظيمية راسخة، وعلى رأسها أكواد البناء وأنظمة الوقاية من الحرائق. صُغت هذه الأكواد استناداً إلى عقود من الخبرة العملية، الأبحاث المتخصصة، والدروس المستخلصة من الحوادث، لتوفر إطارًا شاملًا يدمج متطلبات السلامة في جميع مراحل المشروع. تُعد عائلة الأكواد الدولية (I‑Codes®) الصادرة عن مجلس الكود الدولي (ICC) من أبرز هذه المعايير، وتشمل الكود الدولي للبناء (IBC) والكود الدولي للحرائق (IFC). تغطي هذه الأكواد الوقاية من الحرائق، أنظمة الحماية، وسائل الإخلاء، إدارة الدخان، ومتطلبات مقاومة الحريق للمواد الإنشائية، وتُحدَّث باستمرار لتواكب التقنيات الحديثة وأساليب البناء الجديدة.

في ظل هذا الإطار، يتعاون مجلس الكود الدولي مع حكومات المنطقة والجهات التنظيمية وشركاء القطاع لتطوير الأكواد، تقديم برامج تدريبية، إعطاء اعتمادات مهنية، وتوفير الدعم الفني. تؤكد التجارب أن أفضل النتائج في مجال السلامة تتحقق عندما يُنظر إلى الامتثال كمسؤولية مشتركة تشمل المصممين، المهندسين، المقاولين، الجهات الرقابية، مالكي المباني، ومديري المرافق. ولا يقتصر هذا الالتزام على مرحلة الإنشاء فقط، بل يمتد طوال دورة حياة المبنى عبر الفحوصات الدورية، اختبار وصيانة أنظمة الحماية من الحرائق، والاستثمار المستمر في التدريب والتطوير المهني.

في ختام الحديث، تُعد سلامة الحرائق ركيزة أساسية لضمان استدامة المشاريع، حماية الاستثمارات، وتعزيز ثقة المستثمرين والمجتمعات. إذ لا يقتصر الامتثال لأكواد البناء وأنظمة الوقاية على تلبية المتطلبات التنظيمية فحسب، بل يمثل استثمارًا استراتيجيًا طويل الأمد يهدف إلى حماية الأرواح، صون الأصول، وبناء مدن أكثر أمانًا ومرونة للأجيال القادمة.