الذكاء الاصطناعي يواجه صدمة النفط: هل ينتشل الاقتصاد العالمي في 2026؟

في وقت تشهد فيه أسواق الطاقة العالمية تقلبات حادة، مع ارتفاع أسعار النفط الذي يثقل كاهل النمو الاقتصادي عبر زيادة تكاليف الإنتاج والنقل وتغذية التضخم، تبرز طفرة الذكاء الاصطناعي كقوة موازنة قادرة على دعم النشاط الاقتصادي من خلال تحسين الإنتاجية وتحفيز الاستثمارات وفتح آفاق جديدة للنمو.
الذكاء الاصطناعي في مواجهة تكاليف الطاقة
يرى الخبير المغربي في الذكاء الاصطناعي أنس أبو الكلام أن الاقتصاد العالمي يواجه معادلة معقدة تجمع بين تداعيات ارتفاع أسعار الطاقة على القدرة الشرائية للأسر وتكاليف الشركات، والفرص التي تتيحها الاستثمارات في الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية. وأوضح أبو الكلام، في مقابلة مع الأناضول، أن ارتفاع أسعار النفط يرفع تكاليف النقل والإنتاج ويغذي التضخم ويضغط على القدرة الشرائية، بينما تسهم الاستثمارات في الذكاء الاصطناعي في خلق أنشطة اقتصادية جديدة وتحسين أداء المؤسسات.
وأشار إلى أن إحدى أبرز مساهمات الذكاء الاصطناعي تكمن في تمكين المؤسسات من إنتاج قيمة أكبر باستخدام الموارد نفسها، من خلال أتمتة المهام وتسريع معالجة المعلومات وتحسين عملية اتخاذ القرارات وتقليص الأخطاء والهدر.
وفي 16 أكتوبر 2026، توقعت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستالينا جورجيفا استقرار النمو الاقتصادي العالمي عند 3.1 بالمئة خلال العام نفسه، مدعومًا بطفرة الذكاء الاصطناعي رغم الضغوط الناجمة عن صدمة النفط. وأرجعت جورجيفا هذا الاستقرار إلى تأثير قوتين متعاكستين: صدمة قطاع الطاقة التي تضغط على النشاط الاقتصادي، وطفرة الذكاء الاصطناعي التي تدفع النمو نحو الارتفاع.
وخلال مؤتمر صحفي على هامش الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين، التي استضافتها العاصمة التايلاندية بانكوك بين 12 و18 أكتوبر 2026، أشارت جورجيفا إلى تفاوت كبير بين الاقتصادات العالمية. وأوضحت أن توقعات النمو تراجعت في الدول المتضررة من الحروب، مقابل تحسنها في الاقتصادات المرتبطة بسلاسل القيمة الخاصة بالذكاء الاصطناعي.
مكاسب الإنتاجية وتوزيعها غير المتكافئ
في هذا السياق، قال أبو الكلام إن مكاسب الإنتاجية التي يتيحها الذكاء الاصطناعي تكتسب أهمية أكبر في ظل ارتفاع أسعار النفط، مضيفًا: “كلما استطاعت المؤسسة تقليص استهلاك الطاقة والمواد والوقت لإنتاج السلعة نفسها، ازدادت قدرتها على الحفاظ على تنافسيتها وهوامش أرباحها”. وأكد أن تأثير الذكاء الاصطناعي لا يقتصر على البرمجيات، بل يمتد إلى قطاعات مراكز البيانات وصناعة الرقائق الإلكترونية والخوادم وشبكات الاتصالات والمعدات الكهربائية.
وأوضح أبو الكلام أن الذكاء الاصطناعي يساعد في الصناعة على التنبؤ بالأعطال قبل وقوعها وتحسين سلاسل الإنتاج، وفي النقل يساهم في اختيار المسارات الأكثر كفاءة وتقليل استهلاك الوقود، أما في الخدمات فيسرع معالجة الملفات وتحليل البيانات وتطوير المنتجات. وأشار إلى أن الاستثمارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي تنشط قطاعات البناء والصناعة والخدمات، وتخلق فرص عمل متخصصة، وتحفز البحث العلمي والابتكار.
لكنه لفت إلى أن الدول التي تمتلك قدرات صناعية وتكنولوجية متقدمة وتحتل مواقع مهمة في سلاسل التوريد العالمية تعد من أبرز المستفيدين من هذه الاستثمارات. وأوضح أن المكاسب الاقتصادية الناجمة عن طفرة الذكاء الاصطناعي لا تتوزع بالتساوي بين دول العالم، مشيرًا إلى أن “الدول التي تتوفر على بنية تحتية رقمية قوية، وكفاءات بشرية مؤهلة، وطاقة موثوقة وبأسعار تنافسية، تكون أكثر قدرة على جذب الاستثمارات والاستفادة من القيمة الاقتصادية المضافة”.
وفي السياق ذاته، ذكرت جورجيفا أن الولايات المتحدة والصين والهند ودولًا آسيوية أخرى كانت من أبرز المستفيدين من التحسن المرتبط بالذكاء الاصطناعي. في المقابل، حذرت من تداعيات صدمة إمدادات الطاقة على الاقتصاد العالمي، مشيرة إلى أنها تؤدي إلى ارتفاع معدلات التضخم وتباطؤ النمو. وأوضحت أن حركة الشحن لا تزال تواجه مخاطر كبيرة، فيما بدأت تظهر آثار نقص قدرات تكرير النفط وإمدادات الغاز الطبيعي، وتزامنت هذه الضغوط مع مساعي دول النصف الشمالي من الكرة الأرضية لإعادة بناء احتياطياتها من الوقود استعدادًا لفصل الشتاء.
الذكاء الاصطناعي والطاقة: فرص وتحديات
رغم قدرة الذكاء الاصطناعي على تحسين كفاءة استخدام الطاقة، فإن توسعه يتطلب كميات متزايدة من الكهرباء، ولا سيما لتشغيل مراكز البيانات وتبريدها. وقال أبو الكلام إن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يخفف من آثار صدمات الطاقة عبر تحسين إدارة الشبكات الكهربائية والتنبؤ بالطلب وتطوير أنظمة الصيانة الاستباقية ورفع كفاءة استهلاك الطاقة في المصانع والمباني ووسائل النقل. وأضاف أن هذه التكنولوجيا تساعد أيضًا على تحسين الاستفادة من مصادر الطاقة المتجددة من خلال التنبؤ بإنتاج الكهرباء من الشمس والرياح وتحقيق توازن أفضل بين العرض والطلب.
ووفق تقرير أصدرته وكالة الطاقة الدولية في أبريل 2025 بشأن الذكاء الاصطناعي والطاقة، قد يرتفع استهلاك مراكز البيانات للكهرباء من نحو 415 تيراواط ساعة في عام 2024 إلى نحو 945 تيراواط ساعة بحلول عام 2030، وفق السيناريو المرجعي للوكالة. وفي هذا الصدد، لفت أبو الكلام إلى وجود مفارقة: الذكاء الاصطناعي قادر على تحسين كفاءة استخدام الطاقة في الاقتصاد، لكنه يحتاج بدوره إلى كميات متزايدة من الكهرباء لتشغيل مراكز البيانات وتبريدها. وأوضح أن تعظيم الفوائد الاقتصادية لهذه التكنولوجيا يتطلب الاستثمار في إنتاج الكهرباء وتحديث شبكاتها وتطوير حلول تخزين الطاقة وتحسين كفاءة البنية التحتية الرقمية.
تحذيرات من ضغوط تضخمية قصيرة الأجل
من جانبها، أشارت جورجيفا إلى أن التطور السريع للذكاء الاصطناعي، رغم دوره في تعزيز النمو الاقتصادي، قد يسهم أيضًا في زيادة الضغوط التضخمية على المدى القصير. وعزت ذلك إلى الحاجة إلى استثمارات ضخمة في البنية التحتية المرتبطة بهذه التكنولوجيا، يجري تمويل جزء متزايد منها عبر الاقتراض. وأكدت أن الذكاء الاصطناعي يحمل فرصًا لتحقيق مكاسب في الإنتاجية، غير أن حجم هذه المكاسب وسرعة تحققها لا يزالان غير مؤكدين.





