اتفاق لجنة "4+4" الليبية يضع خريطة انتخابية جديدة وسط تساؤلات حول الضمانات

بعد أعوام من التأجيل والانقسام السياسي، يعود ملف الانتخابات الليبية إلى واجهة المشهد بفضل اتفاق أبرمته لجنة الحوار المصغر المعروفة بـ”4+4″، مما أثار آمالاً في أن يؤدي توافق القوى الفاعلة ميدانياً إلى إنجاز استحقاق طال انتظاره.
تفاصيل الاتفاق وسقفه الزمني
وقّعت اللجنة يوم الأحد اتفاقاً نهائياً برعاية الأمم المتحدة، يتضمن ترتيبات تمهّد لإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في ليبيا ضمن مهلة لا تتجاوز 24 شهراً. وينص الاتفاق أيضاً على إعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات ومراجعة أطرها القانونية.
جاء هذا الاتفاق بعد نحو أربعة أشهر من المشاورات وسبع جولات من الاجتماعات، تخللتها تعثرات متكررة في الوصول إلى تفاهمات نهائية بشأن القواعد والمؤسسات التي يفترض أن تقود العملية الانتخابية.
آراء متباينة بين التفاؤل والحذر
بينما يعتبر البعض الاتفاق خطوة لكسر الجمود السياسي وفتح الطريق أمام استعادة المسار الانتخابي، تبرز تساؤلات حول قدرته على الانتقال من مرحلة التوافق إلى التنفيذ الفعلي، خاصة مع قبول جميع الأطراف السياسية، مثل المجلس الرئاسي والمجلس الأعلى للدولة، بمخرجات اللجنة.
ويرى المحلل السياسي محمد محفوظ أن جوهر المشكلة لا يكمن في توقيع الاتفاق بقدر ما يرتبط بوجود ضمانات حقيقية لتنفيذه. وأوضح أن “الإشكالية المهمة ليست في النصوص ولا الاتفاقات ولا التوقيع عليها”. وأضاف أن “الاختبار الحقيقي يتمثل في الضمانات التي يمكن أن تقدمها الأطراف الليبية والمجتمع الدولي، ولا سيما الولايات المتحدة، لمنع تكرار سيناريوهات تعطيل الاستحقاقات السابقة”. وعلّل ذلك بأن “وجود أطراف في السلطة لم تلتزم بتعهداتها السابقة يثير الشكوك حول إمكانية تنفيذ الاتفاق الجديد”. وتابع: “هذا الأمر لا أحد يستطيع أن يضمنه، وبالتالي هناك شكوك كبيرة جداً في أننا أمام مرحلة مكررة جديدة من منح الشرعية للأجسام دون أن يكون هناك ضمان في إجراء الانتخابات”. واعتبر محفوظ أن “المسألة أبعد من أن تكون مرتبطة بشروط ترشح متعلقة بالعسكريين أو مزدوجي الجنسية، إنما تتعلق بالنوايا والتزام هذه الأطراف بضمان التنفيذ”.
في المقابل، يرى الباحث في الدراسات الاستراتيجية والسياسية محمد امطيريد أن طبيعة اللجنة نفسها تمنح الاتفاق فرصة أكبر للنجاح مقارنة ببعض مسارات الحوار السابقة، لأنها جمعت أطرافاً تملك نفوذاً مباشراً وقدرة على التأثير في الواقع. وقال امطيريد: “مقومات توقيع الاتفاقية تعتبر مهمة، فهذه المرة الاتفاق مباشر”. وأضاف: “هذا التوافق مجدٍ لحل الأزمة السياسية لأن الأطراف المعنية أو أطراف القوة الفاعلة اليوم تجلس على طاولة الحوار”. واعتبر أن مشاركة أطراف تملك سلطة القرار تمثل اختلافاً مهماً عن بعض الترتيبات السابقة، حيث إن الاتفاقات الماضية كانت تواجه مشكلة في أن الجهات المشاركة في التفاوض لم تكن جميعها تملك القدرة على تنفيذ ما يتم الاتفاق عليه.
المستفيد الأول من الاتفاق
ورأى امطيريد أن المستفيد الأول من نجاح الاتفاق هو المواطن الليبي، في حال نجحت الأطراف في تحويل هذا التوافق إلى انتخابات واقعية وتوحيد للمؤسسات. وأضاف أنه “برئاسة صدام حفتر للمجلس الرئاسي، وعبد الحميد الدبيبة للحكومة، نكون حققنا نقطة التوافق بأن الكل يشارك في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية بدون اشتراطات، وهذه نقطة إيجابية لحل الأزمة”.
خلفية المسار التفاوضي
منذ أشهر تجري اللجنة حواراً بعد أن أعلنت المبعوثة الأممية إلى ليبيا هانا تيتيه، خلال إحاطتها أمام مجلس الأمن في 22 أبريل الماضي، أنها تواصلت مع مجموعة مصغرة من الفاعلين الليبيين. وتضم اللجنة أربعة أعضاء يمثلون حكومة الوحدة الوطنية، وأربعة آخرين يمثلون القيادة العامة لقوات شرق ليبيا. وجرت المفاوضات برعاية الأمم المتحدة منذ أبريل 2026، بهدف كسر الجمود السياسي ودفع تنفيذ خارطة الطريق الأممية، ولا سيما في ملفي الانتخابات وتوحيد السلطة التنفيذية.
جاء ذلك في إطار مقاربة لتحديد سبل الخروج من حالة الانسداد الحالية وتمهيد الطريق أمام المؤسسات الليبية لتنفيذ المرحلتين الأوليين من خارطة الطريق المعلنة في أغسطس 2025. وفي 21 أغسطس 2025، أعلنت تيتيه خريطة طريق مبنية على ثلاث ركائز: أولها تطبيق إطار انتخابي سليم فنياً ومقبول سياسياً يهدف إلى إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية، وثانيها توحيد المؤسسات من خلال حكومة موحدة جديدة، وثالثها عقد حوار مهيكل يشمل شرائح عديدة من الليبيين.
تأتي هذه الجهود ضمن مساع تقودها البعثة الأممية بهدف إيصال ليبيا إلى انتخابات تنهي أزمة الصراع بين حكومتين: الأولى حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة ومقرها طرابلس، وتدير منها كامل غرب البلاد، والثانية حكومة أسامة حماد التي عينها مجلس النواب مطلع 2022 ومقرها بنغازي، وتدير منها كامل الشرق ومعظم مدن الجنوب. ويأمل الليبيون أن تؤدي الانتخابات، التي طال انتظارها، إلى وضع حد للصراعات السياسية والمسلحة وإنهاء الفترات الانتقالية المتواصلة منذ الإطاحة بنظام حكم معمر القذافي.





