قطاع المياه السعودي يطمح لتغطية جميع السكان وخفض الفاقد إلى 15٪ بحلول 2030

تُعَدُّ مسيرة قطاع المياه في المملكة العربية السعودية مثالاً تاريخياً على النجاح المتدرج، إذ انطلقت من رؤية واضحة في عهد الملك عبدالعزيز بن عبد الرحمن آل سعود – طيب الله ثراه – وتواصلت عبر عقود من الجهود المؤسسية والمشاريع الضخمة لتصل إلى ما وصلت إليه اليوم تحت رعاية خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود وسمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان آل سعود – حفظهما الله. وقد أظهَر التقرير الأخير كيف أن المملكة أصبحت رائدة على الصعيد العالمي في مجال الأمن المائي، مع استعراض للإنجازات التاريخية والرؤية المستقبلية حتى عام 2050.
انطلاقة أسبوع المياه السعودي 2026
تزامناً مع بدء أسبوع المياه السعودي في جدة، الذي ينعقد في الفترة من 28 يونيو إلى 2 يوليو 2026، تُستعرض التحولات التي شهدها القطاع منذ تأسيسه. وتُبرز الفعالية ما تم تحقيقه من إنجازات وتحدد الاتجاهات المستقبلية التي تسعى إلى تعزيز الأمن المائي وضمان استدامة الموارد حتى عام 2050.
البدايات والرؤى الأولية
بدأ الاهتمام بالمياه في المملكة مبكراً؛ ففي عام 1932، استدعى الملك عبدالعزيز نخبة من الخبراء الدوليين للقيام بدراسات جيولوجية تهدف إلى تحديد مصادر المياه وتقييم التكوينات الجيولوجية. ثم، وفي عام 1947، شُيّدت الآبار على امتداد خط “التابلاين” وتأسست المديرية العامة للزراعة، التي تولّت مهمة استصلاح الأراضي وتحسين أنظمة الري وتوزيع المضخات وحفر الآبار وتشييد السدود والقنوات.
مع توسع التنمية، ارتقَت المديرية إلى وزارة الزراعة والمياه في عام 1953، وأُنشئ مكتب للمياه والسدود وبدأ بناء أول محطة ضمن شبكة الرصد الهيدرولوجي. وتبع ذلك قرار عام 1961 بإنشاء وكالة داخل الوزارة تُعنى بشؤون المياه.
تطور البنية التحتية وإنجازات التحلية
شهد عام 1965 نقلة نوعية بإنشاء إدارة عامة لتحلية المياه المالحة داخل وزارة الزراعة والمياه في جدة، إضافة إلى إقامة محطتي تحلية في المنطقة الشرقية وجدة. استُخدمت شركات استشارية عالمية لإجراء مسوحات جيولوجية للمياه الجوفية والسطحية، وتطورت آليات الحفر لتبدأ عمليات حفر الآبار العميقة عام 1968، ما أتاح انطلاق سلسلة مشاريع المياه في جميع أنحاء المملكة.
في عام 1969، تم تحسين شبكة الرصد الهيدرولوجي، ثم جاء عام 1974 لتأسيس المؤسسة العامة لتحلية المياه المالحة، وعام 1979 لتوسيع شبكة خطوط نقل المياه المحلاة لتلبية الطلب في المناطق الداخلية.
أُصدر “أطلس المياه في المملكة العربية السعودية” عام 1984 لتوثيق الثروة المائية، وتحديث الشبكة الهيدرولوجية وزيادة عدد محطاتها في عام 1992.
التحولات الحديثة والمؤسسات الجديدة
مع بداية الألفية الجديدة، تأسست شركة الماء والكهرباء في عام 2003، والتي تحولت لاحقاً إلى الشركة السعودية للشراكات المائية. وفي عام 2008، أُنشئت شركة المياه الوطنية لتقديم خدمات المياه والصرف الصحي وفق معايير عالمية، مع التركيز على الحفاظ على الموارد الطبيعية وحماية البيئة.
ضمن رؤية السعودية 2030، دخل القطاع مرحلة جديدة من الحوكمة والاستدامة؛ فتم إنشاء المؤسسة العامة للري عام 2018 واعتمدت “الاستراتيجية الوطنية للمياه 2030” كإطار مرجعي. عام 2019 شهد تأسيس شركة نقل وتقنيات المياه، بينما صدر أول نظام شامل للمياه في عام 2020 لتنظيم شؤون المياه وخدماتها وضمان استدامتها.
قامت وزارة البيئة والمياه والزراعة بإعداد خطة إمداد وطلب المياه للاستخدام الحضري حتى عام 2050، وتم إنشاء “منظم المياه”. وفي عام 2021، تم دمج جميع مناطق قطاع التوزيع تحت شركة المياه الوطنية، وأُنشئ المركز الوطني لكفاءة وترشيد المياه.
أرقام اليوم وإنجازات ملموسة
تظهر الإحصاءات الحالية حجم التقدم: ارتفع عدد السدود إلى 574 سداً بسعة إجمالية تبلغ 2.6 مليار متر مكعب، بينما بلغت سعة الخزن الاستراتيجي 21.8 مليون متر مكعب. نجحت الجهود في خفض استهلاك المياه الزراعية بأكثر من 8 مليارات متر مكعب سنوياً. عدد محطات تحلية مياه البحر وصل إلى 36 محطة، ومحطات المعالجة إلى 160 محطة.
وفق إحصائية عام 2022، ارتفع عدد آبار مياه الشرب إلى 8,835 بئراً، وآبار المراقبة إلى 407 آبار، ومحطات الرصد الهيدرولوجي إلى 513 محطة. حجم توزيع المياه اليومي بلغ 11.4 مليون متر مكعب، بينما بلغت القدرة الإنتاجية 12.8 مليون متر مكعب يومياً. امتدت خطوط نقل المياه المحلاة إلى 11,000 كيلومتر، وشبكات المياه إلى 127,500 كيلومتر، مسجلة نسبة تغطية السكان بشبكة المياه 88%، وتغطية خدمات الصرف الصحي 60%.
على الصعيد الدولي، أعلن عام 2023 عن تأسيس منظمة عالمية للمياه مقرها الرياض، وتواصل الدور الريادي عام 2024 بإطلاق المركز الدولي لأبحاث المياه، ما يعزز مكانة المملكة كمرجعية عالمية في استدامة وابتكار قطاع المياه.
الأهداف المستقبلية
تسعى المملكة إلى تحقيق تغطية 100% لسكانها بشبكات المياه بحلول عام 2030. وبالنسبة لعام 2050، تهدف إلى تغطية 95% من السكان بشبكات الصرف الصحي، وضمان إمداد المياه على مدار الساعة طوال أيام الأسبوع، وإعادة استخدام أكثر من 70% من المياه المعالجة. تشمل خطة العرض والطلب للعام 2050 توفير ما يقارب 21 مليون متر مكعب يومياً للاستخدام الحضري، من خلال توسيع إنتاج محطات التحلية لتلبية احتياجات 14,253 تجمع سكني.





