الرئيسية›محليات›إعادة تقييم مفهوم الشيخوخة بعد التقاعد...
محليات

إعادة تقييم مفهوم الشيخوخة بعد التقاعد في السعودية

27/09/2026 09:01

تغير صورة الشيخوخة

اليوم يبدو المشهد مختلفاً؛ فالستيني قد يصبح قادراً على العمل والسفر وممارسة الرياضة والتعلم وإطلاق مبادرة جديدة، كما أن الصحة والاستقلال اللذان يكتسبهما يمنحانه سنوات طويلة من النشاط.

تشير الإحصاءات إلى أن الأمر لا يقتصر على تغيير المظهر أو نمط الحياة فحسب؛ فقد بلغ متوسط العمر المتوقع في السعودية حوالي 79 سنة، وعند بلوغ سن الستين يجد كثير من الناس أمامهم عقدين أو أكثر من الزمن يمكن أن يظلوا منتجين ومزدهرين. هذا التطور في العمر يستدعي مراجعة الأفكار السائدة عن الشيخوخة.

يبقى التقدم البيولوجي في السن قائماً ويستمر الجسد في مساره الطبيعي، غير أن الحد الذي يُعتبر فيه الشخص مسنّاً اجتماعياً لم يعد واضحاً كما سبق. لم يعد العُمر الكافي لوحده يصف قدرات الفرد أو يحدد دوره في المجتمع. وبين مرحلة منصف العمر والشيخوخة المتقدمة اتسعت فترة زمنية يصعب تسميتها بدقة؛ فنطلق على من بلغ الستين لقب «كبير سن» ونستخدم ذات اللفظ لمن تجاوز التسعين، رغم أن الفارق في الخبرات والقدرات بين الفئتين قد يكون كبيرًا.

لدينا مسارات محددة للمراحل الأولى من الحياة: التعليم الذي يتدرج من الطفولة، والجامعة التي تستقبل الشباب، وسوق العمل الذي ينظم سنوات الإنتاج. بعد ذلك يبلغ الفرد سن التقاعد حيث يُقيم له احتفال متواضع، يُمنح درعاً وصورة تذكارية، ثم يعود إلى بيته. من هذه النقطة فصاعداً يصبح تنظيم السنوات اللاحقة شأناً شخصياً إلى حد كبير، رغم أن هذه الفترة قد تمتد لعشرين سنة أو أكثر.

يستحق التقاعد إعادة نظر كونه يمثل انتقالاً إلى مرحلة حياة جديدة. بل إن كثيراً من الذين بلغوا الستين قد بلغوا ذروة خبراتهم المهنية؛ فالمعلم يحمل خبرة عقود في مجال التعليم، والإداري يعرف تفاصيل عمل المؤسسات، والطبيب والمهندس والمحاسب وغيرهم يمتلكون معرفة لا تُكتسب عبر الكتب أو الدورات القصيرة. فقدان هذه الخبرات فجأة من سوق العمل يُحرم المجتمع من مورد معرفي يمكن توظيفه بمرونة أكبر.

يمكن إنشاء مسار منظم متاح للراغبين في الاستمرار بعد التقاعد يشمل العمل الجزئي والاستشارات والتدريب والإرشاد المهني والمشاركة في مشاريع ولجان والتطوع المتخصص. كما يمكن إطلاق منصة وطنية للخبرات تربط ذوي الخبرة المتراكمة بالمدارس والجامعات والشركات والجمعيات والجهات التي تحتاج إلى مساهماتهم في مهام محددة، دون اشتراط شغل وظيفة بدوام كامل.

يُعد وجود مسار مؤسسي ضرورياً لتحقيق تكافؤ الفرص؛ إذ يستند الاستمرار في العمل بعد التقاعد أحياناً إلى شبكة العلاقات الشخصية، فيحصل أحد الأشخاص على عقد استشاري أو فرصة تدريبية بفضل معرفته بالطرق)، بينما قد يمتلك آخر خبرة مماثلة لكنه يفتقر إلى وسيلة لعرضها. المنصة المفتوحة تجعل الخبرة مورداً يمكن الوصول إليه وفق معايير محددة، وتمنح صاحبها حرية اختيار حجم ونوع مساهمته.

لا يجب حصر هذه المرحلة في مجرد الاستمرار بالعمل.

تتطلب السنوات التي تلي التقاعد تصميم نمط حياة خاص بها يشمل برامج ثقافية ورياضية، ورحلات، وأندية اجتماعية، وتعلم جامعي مرن، وفنون، ومجموعات قراءة، وسياحة، وتطوع.

الفراغ الذي يخشاه كثير من المقبلين على التقاعد لا يُحلّ بمجرد إشغال الوقت، بل يستلزم بقاء الفرد جزءًا نشطاً من المجتمع، يمنحه سبباً للخروج من منزله، ويتيح له إقامة علاقات جديدة، وتوفر مساحة للتعلم وإعطاء الآخرين ما اكتسبه.

وهذا الفراغ لا يُشغل بمجرد ملء الوقت، بل يتحقق عندما يصبح خروج الفرد من منزله نشطاً وحيوياً، وليس مجرد رفاهية.

نجد أنفسنا أمام مرحلة عمرية جديدة لم يسمّها المجتمع بعد وضوحًا، وبالتالي لم تُبنى لها مؤسسات كاملة بعد. بفضل التقدم الطبي وتحسن مستوى المعيشة، ازدادت أعمارنا سنوات إضافية، والتحدي الآن هو أن نمنح هذه السنوات مضموناً يليق بها.