الرئيسيةمحلياتالمستهدفات الصحية بين الأرقام والواقع: دروس...
محليات

المستهدفات الصحية بين الأرقام والواقع: دروس من التجربة البريطانية والسعودية

29/06/2026 09:01

المشهد الذي يُستشهد به لا يقتصر على مؤسسة واحدة، بل يتكرر بأشكال متعددة في أنظمة الرعاية الصحية حول العالم. بعد سنوات من التجربة، أدركت بعض هذه الأنظمة أن الأهداف المحددة قد تتحول إلى عائق إذا انفصلت عن الواقع الذي صُممت من أجله.

تجربة المملكة المتحدة مع نظام NHS

في المملكة المتحدة، عندما وضع نظام الصحة الوطني NHS مؤشرات صارمة لأوقات الانتظار في أقسام الطوارئ، سُجل تحسن ملحوظ في الأرقام على المدى القريب. إلا أن المتابعة اللاحقة كشفت عن سلوكيات غير متوقعة؛ فقد لجأت بعض المستشفيات إلى إبقاء سيارات الإسعاف خارج أبواب الطوارئ قبل تسجيل وصول المرضى لتجنب احتساب زمن الانتظار الرسمي. وبالتالي، ارتفعت المؤشرات على الورق بينما ظلّ بعض المرضى ينتظرون خارج الأبواب دون تحسين حقيقي في تجربتهم.

التحذير الإداري من تشارلز غودهارت

هذا التناقض ليس جديداً في علم الإدارة. فقد صاغ الاقتصادي البريطاني تشارلز غودهارت مبدأً شهيراً يقول: «عندما يصبح المقياس هدفاً، يتوقف عن كونه مقياساً جيداً». لا تكمن المشكلة في الأرقام نفسها، بل في أن سلوك المؤسسات يتكيف مع الرقم بدلاً من التكيف مع الغاية التي صُمم الرقم لقياسها. هنا يبرز سؤال جوهري: ما السلوك الذي نرغب في تعزيزه؟ فالأهداف لا تغير المؤسسات مباشرة، بل تغير سلوك العاملين داخلها.

مخاطر الانفصال عن الواقع

عندما تُصمم المستهدفات بعناية، تدفع الجميع نحو التحسين. أما إذا ابتعدت عن واقع الممارسة، قد تُجبر العاملين على تحسين الرقم على حساب تحسين الخدمة. لذا لا تبدأ المشكلة عند قياس الأداء، بل عندما يتحول تحقيق الرقم إلى غاية بحد ذاتها، منفصلة عن الغاية الأصلية. المستهدف الذي يُبنى دون مراعاة الإمكانات المتاحة أو تعقيد الممارسة أو اختلاف البيئات الصحية لا يضمن أداءً متميزاً، وغالباً ما يولد إحباطاً.

التطبيق في السعودية وتحديات المستقبل

في المملكة العربية السعودية، أصبحت ثقافة الأداء جزءاً أساسياً من مسيرة التحول الصحي، مما يعكس التزاماً واضحاً برفع الجودة وتعزيز الكفاءة وترسيخ المساءلة. هذا الاتجاه يستحق المتابعة، لأن تحسين الأداء لا يمكن أن يتحقق دون قياسه. إلا أن السؤال الأهم ليس مجرد القياس، بل ما الذي سيفعله الفريق عندما يصبح الهدف بعيداً عن قدراته. نجاح المرحلة القادمة سيتوقف على جودة تصميم الأهداف، عدالة تطبيقها، ارتباطها بواقع الممارسة، وتوفير الموارد اللازمة لتحقيقها، بالإضافة إلى الاستعداد لتعديلها عندما يكشف الواقع عدم ملاءمتها.

الأنظمة الصحية الأكثر نضجاً لا تعتبر المستهدفات أحكاماً نهائية، بل أدوات للتعلم المستمر. تُراجع بانتظام وتُفسَّر في سياقها لتساعد على فهم الواقع، لا لاستبداله. فالمؤشرات صُنعت لتقودنا إلى الحقيقة، لا لتستبدلها.

عندما يتحول النجاح إلى تحسين الرقم فقط، قد تبدو التقارير أكثر إشراقاً بينما لا يشعر المريض بأي فرق. المرضى لا يعيشون داخل المستهدفات، بل يعيشون النتائج التي تُنتجها تلك المستهدفات.