الرئيسيةمنوعاتالتغافل كقيمة إنسانية في زمن الانتقادات...
منوعات

التغافل كقيمة إنسانية في زمن الانتقادات المتسارعة

23/06/2026 19:01

يستهلّ هذا النص بسؤالٍ بلاغي يثير التفكير: «من تراه يُستَمطر اليوم؟» وقد صُدِّر ذلك السؤال في يوم الثلاثاء الموافق 23 يونيو 2026. يقتبس الكاتب من قصيدة للفرزدق التي تقول: «استمطروا من قريش كل منخدع، إن الكريم إذا خادعته انخدعا»، ثم{*} يوضح أن معنى الانخداع في هذا السياق لا يشير إلى سucاعة أو غفلة، بل إلى نوع من التغافل النبيل الذي يفضّل الكرم على كشف الزلات.

معنى التغافل في مفهوم الكرم

يُصوَّر الكاتب أن الصفة النبيلة للتغافل تنبع من سعة صدر الشريف، حيث لا يستغل ذكاءه لتفضيح عيوب الآخرين، بل يختار”التسامح” عندما يطلب أحدهم
مساعدةً ملحة. إذ يدرك وجود الخدعة لكنه يختار إظهار الإيمان بها، معطياً الفاعل فرصة لتجاوز إحراجه. لا يُقصد بهذه الممارسة ضعفاً في البصيرة، بل إظهاراً لكرمٍ يفوق رغبة النقاش وكشف الأسرار.

التغافل كأرفع أشكال الكرم

يُقارن الكاتب بين ما يمكن للغني أن يقدمه من مال، وما يستطيع المقتدر أن يوفّره من طعام، وبين ما لا يملكه إلا من يمتلكون “قلباً واسعاً” قادرًا على التغافل. يذكر أن العرب منذ القدم ربطوا الكرم بعباءة المروءة، مشيرين إلى شخصيات تاريخية مثل “حاتم الطائي” و”هرم بن سنان” و”عبد الله بن جدعان” الذين خلدوا أسماءهم بفضل سعة كرمهم.

الواقع المعاصر وتحديات التغافل

يُظهر الكاتب أن العصر الحالي يشهد تصاعداً في أوجه الأنانية، حيث سادت ثقافة “أنا ومن بعدي الطوفان”، وأصبح البحث عن الأعذار ندرًا بينما ارتفعت أسواق تتبع العثرات. يضيف أن بعض الناس يزعمون فهمهم للأمور “وهي طايرة”، وكأن للكلمات أجنحة تحجب المعنى عن الآخرين.

بدلاً من منح النوايا الحسنة للمتحدثين، صارت الأقوال تُفتَّش كحقائب في المطارات، وتُستخرج منها تهم وفرضيات، ما حول الأخطاء الصغيرة إلى وقود للنزاعات، وجعل الفهم الخاطئ بابًا واسعًا للتشكيك.

العقلية بين الوفرة والندرة

يستند الكاتب إلى أفكار ستيفن كوفي حول “عقلية الوفرة” مقابل “عقلية الندرة”. يوضح أن أصحاب الوفرة يرون الخير واسعاً، وأن نجاح الآخرين لا ينتقص من نجاحهم، فيصبحون أكثر تسامحًا وأقل حسدًا. أما أصحاب الندرة فينظرون إلى الموارد كمحدودة، فيعيشون في حالة قلق دائم تجاه نجاح غيرهم.

ومن هذا المنطلق، يُستنتج أن النخبة التي تتصف بالتغافل عادةً ما تتبع عقلية الوفرة، ما يسهل عليها إبداء العذر والفرح بنجاح غيرها وتجاوز الأخطاء. في المقابل، يظل المتربصون محاصرين بأسوار الندرة، يراقبون الجميع بقلق، ويشعرون بضيقٍ تجاه أي إنجاز لا يخصهم.

في ختام المقال، يدعو الكاتب إلى ضرورة إحياء روح “المنخدع” بمحض إرادته، أي الشخص الذي يرفع رأسًا فوق الصغائر ويتجاوز العثرات، مانحًا الآخرين سعة صدر تخفف من ضيق الظروف.

ويختتم القول بحديث النبي ﷺ: «المؤمن غر كريم، والفاجر خب لئيم»، متسائلاً ما إذا كانت هذه الروح ما زالت حية أم أنها اختفت خلف غبار الأنا المتضخمة، وكيف أصبح الكرم عملة نادرة في زمن يُكافأ فيه من يشكّ أكثر من من يحسن الظن.