الاعتماد الأكاديمي بين الجودة والبيروقراطية: جدل عالمي حول جدوى التقييمات الخارجية

تعود نشأة فكرة الاعتماد الأكاديمي إلى أواخر القرن التاسع عشر في الولايات المتحدة، حيث كان التعليم العالي يشهد توسعاً سريعاً دون وجود ضوابط كافية. في البداية، اعتمد النظام على مراجعات غير رسمية يجريها نظراء أكاديميون، ثم تطور ليصبح أكثر تنظيماً بعد إقرار قانون التعليم العالي في عام 1965، لينتشر لاحقاً على نطاق عالمي. مع مرور الزمن، تحول الاعتماد إلى عنصر أساسي في منظومة التعليم العالي، لكنه يواجه في الوقت الحالي تساؤلات حادة حول جدواه الفعلية: هل لا يزال يحقق هدفه في رفع مستوى الجودة، أم تحول إلى مجرد روتين يستهلك وقت الجامعات ومواردها دون فائدة حقيقية؟
نماذج عالمية متنوعة لضمان الجودة
تختلف أنظمة ضمان الجودة بين الدول بشكل كبير. ففي الولايات المتحدة، تعتمد الهيئات على مراجعات الأقران والزيارات الميدانية مقابل رسوم وإجراءات متعددة، بينما تركز هيئة ضمان الجودة في التعليم العالي (QAA) في المملكة المتحدة على التحسين المستمر أكثر من الرقابة الشكلية. في الصين، يُستخدم النموذج المركزي المباشر. وفي المملكة العربية السعودية، استحدث هيئة تقويم التعليم والتدريب المركز الوطني للتقويم والاعتماد الأكاديمي (NCAAA) ليكون الجهة المشرفة على إجراءات الاعتماد الأكاديمي.
نتائج دراسية غير حاسمة حول الجدوى
تشير مفارقة واضحة إلى أن نتائج الدراسات العلمية حول جدوى الاعتماد تظل غير حاسمة في كثير من البلدان. فقد أشارت دراسة محلية (Sustainability: 2022:14(24):16968) إلى أن الاعتماد لا يرتبط بشكل مباشر بتحسن أداء الطلاب، لكنه قد ينعكس إيجاباً على بعض جوانب التعلم، مع ملاحظة ظاهرة “تراجع النشاط بعد التقييم” التي تنخفض فيها جهود الجودة بعد انتهاء الزيارات الرسمية. وبالمقابل، تشير دراسة مشابهة إلى أن الاعتماد قد يحد من الابتكار داخل المؤسسات الأكاديمية (Quality in Higher Education: 2022:28(1):50–64)، كما ينظر إليه في أدبيات أخرى باعتباره عبئاً بيروقراطياً ثقيلاً يستهلك الموارد (International Journal of Educational Management: 2025:39(4):973–988). ويرى بعض الأكاديميين أن إجراءات الاعتماد تؤثر سلباً على الحرية الأكاديمية وجودة التعلم (Quality Assurance in Education: 2025:33(1):93–108).
انتقادات دولية متصاعدة
تتكرر الانتقادات على المستوى الدولي باختلاف النماذج. ففي الولايات المتحدة، أظهر استطلاع أن 73% من أعضاء هيئة التدريس يرون أن الاعتماد يستهلك وقتهم بشكل كبير، وأن 70% من الآراء تشير إلى ارتفاع مستويات التوتر المرتبطة به، مع إشارات إلى تأثيره على استقرار الكفاءات الأكاديمية (Critical Questions in Education: 2019:10(1):17–28). كما تكشف المقارنة بين النماذج الإلزامية والاختيارية أن الجدل حول فاعلية التقييمات مستمر، فبينما يعتمد النظام الفرنسي نهجاً إلزامياً، يختار النموذج الكندي مساراً تطوعياً، ويظل التساؤل قائماً حول أي النموذجين أكثر فاعلية في تحسين الجودة (Health Policy: 2009:90(2–3):156–165).
تمتد الانتقادات العالمية لأنظمة الاعتماد لتشمل الأعباء الإدارية والتكاليف الباهظة. فقد وصف تقرير للجنة البرلمانية الدائمة للتعليم في الهند (Report India: 2025:371:1–44) إجراءات هيئة NAAC بأنها بيروقراطية ومعقدة، ودعا إلى تبسيطها والتركيز على المخرجات الفعلية. وفي ألمانيا، أظهرت دراسة لاتحاد الجامعات الخاصة (VPH Germany: 2025) أن 71% من المؤسسات تصنف الأعباء البيروقراطية بالمرتفعة جداً، وتأتي إجراءات الاعتماد في مقدمة هذه الأعباء. وقد وصف وزير التعليم النيجيري تونجي ألاوسا في تصريح لصحيفة (Vanguard Nigeria: July 2025) نظام الاعتماد بأنه “فوضوي ومكلف وغير مجد”، مشيراً إلى إنفاق الجامعات الفيدرالية مبالغ طائلة على زيارات فرق التقييم. وفي هولندا، تناولت تقارير إعلامية جامعية (DUB & UKrant: April 2026) نقاشاً برلمانياً يدعو إلى تبسيط نظام الاعتماد وتمديد دورات التقييم التي تستمر ست سنوات لتخفيف الأعباء الإدارية. وفي المملكة العربية السعودية، طالب مجلس الشورى بمراجعة الرسوم المرتبطة بالاعتماد (عكاظ: 2022: يوليو 21).
الإفراط في الامتثال وازدواجية التقييم
تكمن مفارقة ملفتة في أن الجامعات التي يديرها خبراء وتخضع برامجها لمراجعات داخلية متعددة المراحل، يعاد تقييمها خارجياً، مما يثير التساؤل حول جدوى هذه الرقابة الإضافية. يتحول دور الأكاديمي من باحث ومعلم إلى منفذ لإجراءات روتينية مستنزفة للوقت، حيث تصبح التقارير غاية في حد ذاتها. تُعرف هذه الظاهرة بـ”الإفراط في الامتثال”، حيث تطغى الإجراءات الشكلية على هدف تحسين التعليم وجودة البرامج. فبدلاً من أن تعزز الاعتمادات الخارجية الجودة العلمية، تؤدي إلى إرهاق أكاديمي واضح وتشتيت للجهد في تفاصيل إجرائية لا تضيف جديداً، بل قد تخلق ازدواجية في التقييم.
إن تقييم الجودة ممكن باستخدام مؤشرات أكثر مباشرة وموضوعية، مثل نسب توظيف الخريجين، نتائج الاختبارات المعيارية، جودة البحث العلمي، ومستوى البنية التحتية التعليمية والبحثية. كما يمكن تعزيز دور وحدات الجودة الداخلية داخل الجامعات، بحيث تتولى جمع المؤشرات وإعداد التقارير والتقويم المستمر، وعدم تحميل أعضاء هيئة التدريس أعباء روتينية إضافية تنعكس سلباً على جودة التدريس والبحث.
وخلاصة القول، يبقى الهدف من الاعتماد الأكاديمي مشروعاً ومهماً، لكنه يحتاج إلى إعادة توازن بين ضمان الجودة وتقليل العبء الإداري. فالجودة لا تتحقق بكثرة النماذج والتقارير، بل من خلال بيئة تعليمية فعالة تنتج معرفة وخريجين قادرين على المنافسة. وعندما يخفف العبء الإداري عن الأكاديميين، يمكن للجامعة أن تعود إلى دورها الأساسي كمؤسسة للتعليم المبدع والبحث والابتكار.





