تساؤلات حول استغلال المؤثرين في تغطية المنتخب السعودي خلال بطولة كأس العالم

أثناء متابعة مشاركة المنتخب السعودي في البطولة العالمية الحالية، برزت ظاهرة إعلامية تستدعي الوقوف عندها، خصوصاً فيما يتعلق بآليات الاتصال المؤسسي. فقد كان المقصود من استدعاء عدد من المؤثرين الإعلاميين متابعة إنجازات المنتخب وإبرازها، لكن الموقف تحول إلى ما لا يليق بالرسالة الوطنية، حيث استغل بعضهم منصة الرعاية الرسمية لتسويق منتجات أو خدمات شخصية لا علاقة لها بالمهمة.
تضخم الأنا التسويقي وتجاوز الرسالة الوطنية
من منظور تحقيقي، يمكن وصف هذا السلوك بظاهرة «تضخم الأنا التسويقي»، حيث طغت المصالح الاقتصادية الفردية على الهدف العام للاتصال. هذا التداخل يتنافى مع معايير المهنية الإعلامية ويسبب إضعافاً واضحاً في إدارة «رأس المال الرمزي» للقطاع، إلى جانب إهمال الدور الأساسي المتمثل في توثيق وإنارة إنجازات الوطن.
التنافر الإدراكي بين الوطنية والإعلانات التجارية
تعتمد فاعلية الحملات الحكومية على توافق السياق مع المحتوى. عندما يدمج المؤثر إعلاناً تجارياً لمتجر ما داخل مقطع يوثق لحظة من مشاركة المنتخب، يواجه المتلقي ما يُسمى بـ«التنافر الإدراكي». يتعثر الجمهور بين انتمائه العاطفي للمنتخب والرسالة البيعية، مما يضعف من قيمة الرسالة الرسمية ويجعلها مجرد خلفية للإعلان.
نقائص في عقود المؤثرين وغياب الشروط الحصرية
تظهر المشكلة بوضوح عند فحص اتفاقيات هؤلاء المؤثرين، حيث تتجلى فجوة في الحوكمة وعدم وجود بنود تمنع الاستغلال التجاري للمحتوى خلال فترة المهمة المكلفة إليهم. وفقاً للمبادئ المتقدمة في دراسات الاتصال، كان من الواجب أن تشمل العقود شروطاً حصرية تضمن عدم دمج إعلانات خارجية، حفاظاً على تركيز الرسالة على الأهداف الاستراتيجية.
آثار الاستمرار في هذا النهج على الثقة العامة
إهمال الرقابة على هذا السلوك يؤدي إلى «تسليع المهام»، ما يدفع المتلقين إلى التشكيك في مصداقية الحملات بالكامل. يتحول الحماس الوطني إلى مادة تُباع وتُشترى في سوق المؤثرين، وهو ما يهدد سمعة المؤسسات على المدى البعيد.
تستدعي هذه التطورات مراجعة جذرية في سياسات الاختيار وآليات التكليف، مع التركيز على اختيار صُنّاع محتوى متخصصين بدلاً من الاعتماد الكلي على الشهرة الرقمية. كما يلزم إقرار اتفاقيات مهنية تفرض التفرغ الكامل للمؤثر أثناء التغطية، وتحدد جدول أعمال يخدم أهداف الجهة الرسمية. إذا استمر هذا التشتت، لا مفر من التساؤل حول جدوى إدراج مثل هذه الضوابط ضمن سياسات الدولة، وربما الحاجة إلى إنشاء هيئة تسويق حكومية متخصصة تضمن احترافية الرسالة وسلامة السياق وجودة المحتوى الإعلامي.





