لبنان على مفترق طرق بين النفوذ الإيراني وإعادة الارتباط بالعالم العربي

يواجه لبنان اليوم أكثر من أزمة حدودية عابرة أو توتر متجدد مع إسرائيل؛ إنما يتصاعد سؤال جوهري حول ماهية الدولة ومكانتها. فالمشكلات الداخلية لا تقتصر على الانقسام الطائفي أو العجز الاقتصادي أو فساد النخب السياسية، رغم أن كل‑ذلك يشكل جزءاً من الواقع. ما يرهق البلاد هو وجود قرار خارجي لا تملكه مؤسساتها وسلاح لا يخضع لسلطتها، إلى جانب حسابات إقليمية تفوق طاقتها على التحمل.
الطائفية والفساد لا يفسران كل شيء
لطالما وصفت الأزمات اللبنانية بأنها انعكاس لضعف داخلي مستمر، وهذا الوصف يحمل بعض الصحة. غير أن الاختزالية في هذا التشخيص تضلل، فالعنصرية الطائفية لا تبرر تحول دولة صغيرة إلى ساحة لتصفية حسابات إقليمية، والفساد لا يفسر لماذا تُتخذ قرارات الحرب أو السلام بعيداً عن مجلس الوزراء والبرلمان والجيش.
النفوذ الإيراني وحزب الله كعامل حاسم
العامل الأبرز الذي يضغط على لبنان من الداخل والخارج هو النفوذ الإيراني المتجسد في حزب الله. ما كان في البداية حركة مقاومة شرعية تحول إلى أداة لهيمنة اتخاذ القرار الوطني. ومع كل أزمة، يربط الحزب لبنان أكثر بمحور طهران، ويبعده عن جذوره العربية، ويجعل المجتمع اللبناني يتحمل كلفة خيارات لم يشارك في صنعها.
تآكل نموذج الوكيل المسلح الإيراني
تظهر الآن علامات على ضعف شبكة النفوذ الإيراني في المنطقة مقارنة بالماضي. لا يعني ذلك اختفاؤها أو أن حزب الله لم يعد خطراً، بل إن النموذج الذي اعتمدته طهران لعقود – بناء وكلاء مسلحين يمنحونها نفوذاً دون تحمل تكاليف المواجهة المباشرة – يدخل مرحلة استنزاف واضحة. تشير دراسات حديثة إلى تآكل بنيوي لهذا النموذج، وتحليل آخر يوضح أن حزب الله بات أضعف مما كان، وإن لم يكن مهزوماً تماماً.
فرصة سياسية نادرة أمام لبنان
تتفتح الآن نافذة سياسية نادرة، فحين تكون الميليشيا في أوجه قوتها تميل الدولة إلى التعايش مع العجز، أما عندما يتراجع ميزان الخوف يصبح الصمت خياراً سياسياً لا قدرًا مفروضاً. لا يحتاج لبنان إلى حرب أهلية جديدة ولا إلى مغامرة داخلية مدمرة؛ ما هو مطلوب موقف وطني واسع يعيد تعريف الحد الأدنى لفكرة الدولة: لا سلاح خارج الشرعية، لا قرار حرب خارج المؤسسات، ولا ولاء خارجي يتجاوز مصلحة لبنان.
إن استعادة سيادة الدولة لا تتحقق عبر الشعارات، بل عبر انتقال هادئ وصارم في آن واحد: بناء جيش قادر على السيطرة على الأراضي، إصلاح مؤسسات الأمن والقضاء، ضبط الحدود، استعادة الثقة في القطاع المصرفي، وإبرام مصالحة سياسية تستند إلى منطق الدولة لا إلى منطق الساحات. لا يمكن للبنان أن يطلب من المجتمع الدولي إنقاذه وهو يترك قراره الاستراتيجي في يد قوة مسلحة، ولا أن يطالب بالاستثمار بينما تظل احتمالات الحرب أعلى من احتمالات الاستقرار.
العلاقة مع الخليج كخيار إنقاذ
من هذا المنطلق يصبح التوجه نحو دول الخليج أكثر من مجرد مسار دبلوماسي؛ إنه خيار إنقاذ. تاريخياً واقتصادياً واجتماعياً، يرتبط لبنان ببيئته العربية أكثر من ارتباطه بالمشروع الأيديولوجي الإيراني. لم تكن دول الخليج يوماً وصية على لبنان، بل كانت مصدر عمل لمئات الآلاف من اللبنانيين، ومصدر تحويلات واستثمارات وسياحة، ودعماً اقتصادياً في أوقات متعددة. بالمقابل، لم تمنح إيران للبلاد دولة أقوى أو اقتصاداً أفضل أو مستقبلاً أكثر أماناً؛ كل ما قدمته هو تحويله إلى ورقة في صراع إقليمي طويل.
عودة لبنان إلى علاقات طبيعية مع الخليج لا تعني استبدال تبعية بأخرى، بل تعني استعادة علاقة دولية تقوم على احترام السيادة، وضبط السلاح، وإصلاح الاقتصاد، وتفتح المجال أمام الدعم والاستثمار. وقد أصبح واضحاً أن دول الخليج، وعلى رأسها السعودية، تربط دعمها بمدى جدية لبنان في استعادة مؤسساته، وحصر السلاح في يد الدولة، وتنفيذ الإصلاحات. هذا الشرط ليس عبئاً غير معقول، بل هو الحد الأدنى لأي دولة تسعى للحصول على مساعدة دون أن تُهدر في فراغ سياسي أو أمني.
التحول لا يُفرض من الخارج
لا يمكن للرياض أو أبوظبي أو الدوحة أو الكويت أن تنقذ لبنان إذا لم يقرر اللبنانيون إنقاذ بلدهم أولاً. يمكن للجهات الخارجية أن تقدم المساعدة، لكنها لا تستطيع بناء إرادة وطنية بديلة. جوهر الصراع اليوم ليس بين لبنان والخليج أو بين لبنان وإيران، بل بين لبنان الدولة ولبنان الساحة؛ بين بلد يرغب في الاعتماد على اقتصاده وثقافته ومؤسساته، وبين بلد يُستدعى باستمرار للعب دور في صراعات الآخرين.
المسؤولية تقع على عاتق جميع اللبنانيين، دون استثناء. لا يُجبر الشيعة على رهن مستقبلهم لحزب يضعهم في خط تماس دائم، ولا يُجبر المسيحيون أو السنة أو الدروز على إدارة الانهيار كما لو كان مصيراً محكوماً. كل اللبنانيين، مهما اختلفت هوياتهم، يتشاركون مصلحة واحدة: أن تعود الدولة صاحبة القرار الوحيد.
ما يلزم لبنان الآن ليس خطابات غضب، بل شجاعة سياسية منظمة؛ رفض واضح للنفوذ الإيراني لا كقضية مذهبية أو انحياز خارجي، بل كشرط لاستعادة البلاد. وفي المقابل، يجب توجيه الجهود نحو الخليج، حيث يمكن للاقتصاد اللبناني أن يتنفس، وتستعيد الدولة علاقاتها مع محيطها العربي، وتتحول المجتمع من ثقافة الحرب إلى ثقافة الحياة.
خلاصة القول أن حزب الله ووكلاء إيران يمرون بأحد أضعف مراحلهم منذ سنوات. ليست هذه دعوة للانتقام، بل فرصة لإنقاذ الدولة. على اللبنانيين أن يوقفوا الآن، بهدوء ولكن بحسم، ويعلنوا أن لبنان ليس قاعدة إيرانية ولا ورقة تفاوض في يد أحد. إن رفض النفوذ الإيراني لم يعد ترفاً سياسياً، بل شرطاً لبقاء لبنان. والعودة إلى الخليج ليست خياراً جانبياً، بل الطريق الواقعي لإخراج لبنان من العزلة والانهيار وإعادته كدولة عربية طبيعية، حرة، وقادرة على العيش.





