الرئيسيةعربي و عالميتنظيف شواهد سلجوقية بشرق تركيا باستخدام...
عربي و عالمي

تنظيف شواهد سلجوقية بشرق تركيا باستخدام مشارط جراحية يكشف نقوشاً مخفية

15/08/2026 10:08

العمل الدقيق لتنظيف الشواهد

يستعين فريق من المتخصصين بمشارط جراحية، semblable إلى تلك المستخدمة في غرف العمليات، لإزالة طبقات الأشنات التي تراكمت على شواهد قبور سلجوقية مدفونة تحت الأرض لسنوات طويلة في ولاية وان شرقي تركيا. تتم هذه العملية بحذر شديد يشبه التعامل مع جسد على طاولة الجراحة، حيث يمكن لأي حركة غير محسوبة أن تلحق الضرر بحجر يحمل نقوشاً وكتابات تعود إلى قرون.

بعد انتهاء مرحلة التنظيف، يبدأ أكاديميون في قراءة الكتابات التي ظهرت وفك شفرتها وتوثيقها، إلى جانب دراسة الزخارف الهندسية والنباتية المنقوشة على الشواهد.

التوثيق والدراسة الأكاديمية

يقول رئيس أعمال التنقيب الدكتور أرجان تشاليش للأناضول: “يمكن القول إننا نجري عملية جراحية في قلب الأرض. فالعمل الدقيق الذي يقوم به الجراح، نقوم به نحن هنا في الميدان على الأرض والتاريخ والثقافة”. ويضيف: “نخرج تاريخنا وثقافتنا وفنوننا الموجودة تحت الأرض إلى النور، ونزيل بعناية الأشنات المكونة من طبقات مختلفة والمتراكمة على الحجارة”. ويصف المقبرة بأنها أشبه بـ”متحف مفتوح”، مؤكداً أن الفريق يعمل على جعل معالمها أكثر وضوحا وفهما ونقلها إلى الأجيال المقبلة.

ويشير الدكتور تشاليش إلى أن أهمية النقوش لا تقتصر على هوية صاحب القبر؛ فهي تشكل وثائق تاريخية تتيح التعرف على جوانب من المرحلة التي تنتمي إليها. وتوفر النقوش مصادر تسلط الضوء على البنية السياسية والدينية والثقافية للعصر، بينما تتيح الزخارف التعرف على خصائصه الفنية.

ومن أبرز ما يميز مقبرة كفاش السلجوقية ثراء الزخارف الموجودة على شواهدها؛ إذ نادراً ما يعثر الفريق على شاهدين متطابقين. فكل شاهد يتميز بزخارف وتكوين فني وخصائص مختلفة، ما يمنح كل قطعة قيمة مستقلة في دراسة المرحلة التاريخية التي تنتمي إليها. ويؤكد تشاليش أن “كل شاهد قبر نعيد إظهاره إلى النور يحمل شخصية مستقلة، ويعكس جانبا مختلفا من فنون وثقافة العصر الذي ينتمي إليه، وكأننا نعيد إحياء جزء من تاريخ تلك المرحلة بكل ثرائها”.

من ناحيتها توضح نائبة رئيس أعمال التنقيب الدكتورة غولجان أوزبك، الأستاذة في قسم تاريخ الفن بجامعة وان يوزونجو يل، أن الفريق ينشئ قبل بدء الحفريات نظاما شبكيا لتقسيم الموقع لضمان توثيق دقيق لمواقع الشواهد المكتشفة. وتقول: “ننظف كل حجر على الأرض بحساسية تشبه حساسية الطبيب، ونكشف المعلومات الموجودة عليه بدقة جراحية، ثم نوثقها”.

نتائج المشروع وتوسيع النطاق

تبدأ أعمال التنقيب والترميم بإذن من وزارة الثقافة والسياحة التركية عام 2022، وتستمر ضمن أحد أكبر المقابر التركية الإسلامية في الأناضول. وتقع ضمن الموقع التاريخي ضريح حليمة خاتون، ابنة أحد حكام منطقة أهلات، والتي يُرجح أنها عاشت في القرن الرابع عشر الميلادي، بينما شُيد الضريح قبل نحو 700 عام.

وأُدرجت المقبرة العام الماضي، بقرار من الرئاسة التركية، ضمن مشروع “إرث إلى المستقبل”، ما أتاح توسيع نطاق الأعمال الأثرية في المكان. وتبلغ مساحة مقبرة كفاش السلجوقية نحو 50 دونما، وتضم أكثر من ألف شاهد قبر حجري يصل ارتفاع بعضها إلى مترين ونصف، وتحمل كتابات وزخارف تقليدية متنوعة.

خلال العام الحالي أنجز الفريق أعمال تثبيت 35 شاهد قبر جرى إخراجها إلى سطح الأرض، وأزال الأشنات عن خمس شواهد تضررت أسطحها بفعل التكوينات البيولوجية، ووثق أربع شواهد للمرة الأولى. وفي العام الماضي، بدعم من وزارة الثقافة والسياحة وبإشراف ولاية وان، نفذت أعمال شملت تجديد الأجزاء المتضررة من مسارات المشي وإجراء ترتيبات في محيط المقبرة.

ويؤكد الدكتور تشاليش أن توثيق أربع شواهد للمرة الأولى خلال أعمال العام الجاري يمثل أحد التطورات المهمة في الموقع، موضحاً أن تلك الشواهد ظلت بالكامل تحت الأرض منذ فترات مبكرة لكنها حافظت إلى حد كبير على خصائصها الأصلية، ما يجعلها مصدرا مهما للمعلومات ويساعد الباحثين على دراسة المرحلة التي تعود إليها من جوانب متعددة. ويضيف أن الفريق كان قد حدد نحو 700 شاهد قبر عند بدء المشروع عام 2022، قبل أن يرتفع العدد مع استمرار أعمال التنقيب إلى أكثر من ألف.