الرئيسيةعربي و عالمينظام 'الطيبات' وتحليل دوره في نشر...
عربي و عالمي

نظام 'الطيبات' وتحليل دوره في نشر التضليل الطبي

24/05/2026 01:02

السبت – 23 مايو 2026
Sat – 23 May 2026

يظهر التضليل العلمي بأشكاله الكلاسيكية من خلال تزوير بيانات المختبرات وسرقة الأبحاث، وهي أزمة يمكن أن تتكرر، لكن هناك وجهًا آخر لا يقل خطورةً وأشد فتكًا لأنه يصل إلى الملايين من الجمهور في وقت قياسي، وهو التضليل الطبي الذي يجد في الإعلام منصة ومكبرًا للصوت.

مفهوم التضليل الطبي ومنظومة ‘الطيبات’

تمثل قضية الدكتور ضياء الدين العوضي رحمه الله ونظامه المعروف بـ«الطيبات» نموذجًا حيًّا وموثقًا لهذه الظاهرة؛ فهي ليست مجرد قصة طبيب ادعى ما لا علم له ثم انتقل إلى رحمة الله، بل النقد الحالي يوجه إلى البرنامج وليس إلى الشخص الراحل، وهي قصة منظومة متكاملة من التضليل شاركت فيها منصات إعلامية واسعة الانتشار، مع غياب تام لأي عملية تحقق، وسقوط ضحايا حقيقيين.

محاور نظام ‘الطيبات’ العلاجي

يقوم النظام العلاجي «للطيبات» على ثلاثة محاور رئيسية: أولًا، تصنيف الطعام إلى «طيب» و«خبيث» وفق معيار شخصي لا يستند إلى أي أدلة علمية معتمدة؛ ثانيًا، الدعوة إلى التخلي عن الأدوية الحيوية مثل الكورتيزون ومثبطات المناعة والإنسولين لمن يستطيع ذلك، واستبدالها بالصيام والنظام الغذائي؛ ثالثًا، الإيمان بقدرة الجسد على الشفاء الذاتي كمبدأ علاجي مطلق، مما يجعل الطب التقليدي عائقًا لا مساندًا.

مقارنة عالمية ودور الإعلام

يمثل نظام «الطيبات» رأيًا طبيًّا مخالفًا للسائد، ووصفًا كارثيًّا لمرضى يعانون من أمراض مزمنة تعتمد علاجاتهم على التوازن الدقيق للأدوية والمتابعة الدورية، وله امتداد عالمي من الادعاء الزائف؛ فما قدمه العوضي ليس ظاهرة مصرية خالصة، بل جزء من نمط إعلامي عالمي يعطي الأولوية للإثارة والمشاهدات على حساب الدقة العلمية والمختبرات.

في الولايات المتحدة صنعت الإعلامية أوبرا وينفري ظاهرة «دكتور أوز» (Mehmet Oz)، وهو جراح قلب من أصول تركية يحمل الجنسية الأمريكية وتحول إلى نجم تلفزيوني؛ وفند فريق من الباحثين ظاهرة الدكتور «أوز» في المجلة الطبية البريطانية BMJ عام 2014 ضمن دراسة وجدوا فيها أن الأدلة المتاحة لا تدعم سوى 46% من توصياته الصحية، وتناقض 15% منها، بينما لم يُعثر على أي دليل لـ39% منها.

الجامع الحقيقي لهذا النوع من الظواهر، والذي يمكن تسميته بـ«Just Asking Questions» (أنا أسأل فقط)، قدمه إعلاميون مثل محمود سعد، أوبرا وينفري وغيرهم، حيث يدّعون أنهم يطرحون الأسئلة ويتبرؤون من مسؤولية ما تصنعه أسئلتهم من أثر؛ غير أن هذا التبرؤ من النتائج يصطدم بحقيقة موضوعية وهي أن الكاميرا تمنح الشرعية، والاستضافة ترسخ المصداقية، والتكرار يحول الادعاء إلى حقيقة عند المشاهدين.

الدروس والتحذيرات

وعند استضافة محتوى علمي، فإن القول الفصل في النقد هو: «ما يقدم دون دليل يرفض دون دليل»، والأصل في الإعلاميين الذين يسعون للشهرة تطبيق ثلاث طرق مشروعة لاستضافة الرأي المخالف للعلم: أولًا، المناظرة مع متخصص أمام الضيف لتفنيد ادعاءاته في اللحظة ذاتها؛ ثانيًا، التحقق من خلال استضافة الضيف ضمن مادة موثقة بالأرقام والشهادات تشرح للمشاهد لماذا كلامه خطأ؛ ثالثًا، وضع علامة تحذيرية مؤطرة على الشاشة طوال الحلقة توضح أن الكلام لا يمثل توصية طبية.

ومع ذلك، فقد جاء كل ما قدم إعلاميًّا بصيغة احتفالية لا تحقيقية، وكأن الضيف صاحب ثورة في عالم الطب البديل لا موضع للشك.

وفي تحليل التسلسل الزمني لقضية «الطيبات» يلاحظ تراكم الإشارات التحذيرية دون أن تتوقف آلة التضليل الإعلامي، ودون الكشف عن المستفيد الحقيقي لهذا التضليل، خاصة مع انتشار فيديوهات مختلفة منها حالة طبيبة للأمراض النسائية التي تقول إنها اكتسبت نظامًا طبيًّا يقلل معدلات وفاة الأجنة وعدد العمليات الجراحية القيصرية للنساء ويشجع على الولادات الطبيعية.

الدرس الجوهري الذي تقدمه هذه القضية لمجتمع البحث العلمي والإعلام هو أن التضليل الطبي لا يحتاج إلى مختبر أو مجلة علمية مفترسة تستغل نموذج النشر المفتوح لتحصيل رسوم نشر من الباحثين دون تقديم خدمات التحرير أو المراجعة الرصينة، وقد تضاعف عدد هذه المجلات بشكل مثير في السنوات الأخيرة.

ختامًا، من يصنع الضحية برنامج وإعلامي مشهور، وغياب التحقق، ليتحقق حلم المنصة بملايين المشاهدين من الباحثين عن بديل لألمهم؛ وتشكل هذه القصة وتبعياتها المستمرة أنها ليست مجرد قصة فردية مأساوية، بل تجسيد حي لما يحدث حين يمنح التضليل الطبي منصة إعلامية مشروعة دون أي ضوابط أو تحقق، ورغم المساحة الواسعة المتاحة للتدريب والتثقيف وسهولة التحقق، ورخاوة السياسات الإعلامية الخاصة بضبط المحتوى المخالف التي تُطبق بشكل انتقائي، فهذا ما يهدد القيم، حيث يصبح الاحتيال والخداع المتعمد للقيم التي تعتمد عليها التحقيقات الأكاديمية والعلمية هو الترس الأساسي في التضليل العلمي؛ وفي هذه البيئات يصبح السلوك غير الأخلاقي مغريًّا، لكن العواقب كارثية في انتشار السلوك الاحتيالي والبحث المضلل، وهدر الموارد، وضرب الثقة في المنظومة الطبية البحثية، والأضرار الواقعية على حياة الناس كبيرة جدًّا لا يمكن تجاهلها.