الرئيسيةمحلياتثبات المواقف أم مرونة التلون: نقد...
محليات

ثبات المواقف أم مرونة التلون: نقد موضوعي للسياسة السعودية

25/06/2026 09:01

إنّ الموضوعية تتجلى في الإشادة عندما تستحق الثناء، وفي النقد عندما يتطلب الواجب. أما التحوّل المستمر كالحرباء، حيث يغيّر الإنسان مظهره مع كل مرحلة ويتبدل مواقفه وفقاً لتقلبات القوة، فقد يُنظر إليه كتكيف من قِبل البعض، لكنه لا يتماشى مع ما أؤمن به. الثبات في المواقف يُعدّ صفةً إيجابية لا عيباً.

مواقف ثابتة تجاه قيادات المملكة

عند كتابة العديد من المقالات قبل سنوات طويلة عن أمير الرياض آنذاك، الأمير سلمان بن عبدالعزيز، عبّرنا عن قناعة واحترام صادقين، مستندين إلى صلة أواصرنا بهذه المدينة ومعرفتنا بما قدمه للمنطقة. وعندما ارتقى إلى مناصب ولي العهد ثم الملك، لم يتغير موقفنا.

وبالمثل، حررنا عشرات المقالات عن سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان ورؤيته “المملكة 2030″، إذ رأينا فيها مشروعاً وطنياً غير مسبوق أحدث تحولاً جذرياً في مسار الدولة السعودية الحديثة، وربما يكون الأبرز منذ ثلاثة قرون. سَعَينا لتقديم هذا المشروع بلغة علمية وعالمية تُفهَم من الخارج، وبروح سعودية تُدركها داخل الوطن.

الفرق بين الولاء والانتقاد

من المفاهيم الخاطئة التي تستدعي التصحيح أن بعض المسؤولين يظنون أن انتقاد أداء أحدهم يعني انتقاد الدولة أو رؤيتها. الولاء للوطن وقيادته شيء، بينما أداء المسؤولين التنفيذيين أمر منفصل. المسؤول موظف عام يؤدي مهمة محددة، قد ينجح أو يخطئ، وسيتبع ذلك غيره؛ لذا لا يجوز وضعه فوق النقد ولا ينبغي تجنبه.

لقد بيّنا ولاءً للملك وولي العهد دون أن نبايع باقي المسؤولين. ولأي مواطن الحق في الإشادة بالإنجازات والتنبيه إلى النواقص، شريطة أن يكون ذلك بموضوعية واحترام.

نماذج استثنائية ومواقف نقدية

إن الإنصاف يقتضي الإشارة إلى وجود مسؤولين لم يرتقوا إلى مستوى المسؤولية، وفي الوقت نفسه إبراز نماذج استثنائية تستحق الفخر. من بين هؤلاء رجال الدولة الذين تركوا بصمة حقيقية، الأمير بندر بن سلطان – حفظه الله وألبسه ثوب الصحة – الذي أسس مدرسة في العمل السياسي والدبلوماسي. كذلك الدكتور مساعد العيبان، الوزير المعروف بقدراته الإدارية الرفيعة، وغيرهم كثير. لا تربطني بأي من هؤلاء مصلحة شخصية؛ بل نكتب عن الجوانب المشرقة في الدولة التي لا تعد ولا تحصى.

المرونة مقابل الثبات في مسار النجاح

في المقابل، يعتقد البعض أن النجاح يُقاس بقدرة الفرد على التكيّف مع كل مرحلة، لا باتخاذ مواقف ثابتة. خلال فترة صعود الإخوان وتيارات الصحوة، لم يدخل الكاتب في أي مواجهة معهم، ولم يثير غضبهم، ولم تُسجَّل أي واقعة قد تُعرضه للاستهداف أو التشويه. خرج من تلك الفترة بسجل نظيف، واستفاد – كما استفاد غيره – من الأنظمة والامتيازات المتاحة آنذاك.

وبحسب رأيه، لم يكن ذلك تملقاً، بل ذكاءً ومرونةً في التعامل مع الواقع، ما جعله شخصًا يمكن التعاون معه في مختلف الظروف دون إثارة الحساسية أو خلق خصومات. وعند تغير المرحلة، تكيف مع الواقع الجديد، واعتمد خطاباً يتماشى مع متطلبات العصر، فاستمرت مسيرته المهنية وتقلد مناصب جيدة، محققاً مزايا وفرصاً جديدة.

وقد سألنا مثالاً واقعيًا: إذا كان أمام مسؤول مرشحان لمنصب مهم؛ الأول يحمل أعلى المؤهلات لكنه معروف بآرائه الصلبة، والثاني معروف بالمرونة وسجله خالٍ من النزاعات. من سيُختار؟ أجبت بابتسامة أن هذا المثال قد يصح في بعض الحالات، لكنه لا ينطبق على موقفنا. لم نتخذ مواقفنا بحثاً عن مناصب أو فرص، بل لأننا رأينا فيها مصلحة الوطن.

أما إذا فضل بعض المسؤولين الشخص المرن كالبهلوان القادر على التلون، فذلك حقهم واختيارهم. في رأيي، القدرة على تغيير المواقف ليست موهبة نادرة؛ بل الندرة تكمن في العثور على شخص يستطيع في وقت الضرورة أن يعبّر عن رأيه الصادق في قضية حساسة، بلا أجندة أو مصلحة أو حسابات. الندرة ليست في المرونة، بل في الموضوعية والإنصاف.

يبقى السؤال الذي يراودني دوماً: كيف يُقاس أثر الإنسان الحقيقي في الحياة؟ هل يعتمد على عدد المناصب أو المكاسب، أم على المواقف التي ظلَّ ثابتاً فيها رغم إغراءات التغيير؟ بالنسبة لي، الحياة موقف وكلمة، ويمكن تسميتها بما تشاء، لكنها أقصر من أن نقضيها ونحن نغيّر جلودنا مع كل تقلب.

يا صاحب المرونة، إذا كان لديك تحفظ على أسلوبي فأنا مستعد أن أكون عسلاً ومشرقاً لمن يستحق، وصلباً على الخطأ والفساد، ولكن الأهم أن أظل موضوعياً وواقعياً. فالمرونة الحقيقية لا تعني تبديل المبادئ مع كل مرحلة، وإنما تعني العيش بين ثقافات وأديان وأعراق مختلفة، والتكيف مع الجميع دون التخلي عن القيم الأساسية.