السعودية تُعيد رسم خريطة المياه العالمية من خلال أسبوع المياه 2026

من جدة، أعلنت المملكة العربية السعودية أن مسارها في قطاع المياه قد انتقل من مرحلة إدارة الندرة إلى مرحلة قيادة عالمية، حيث ارتقت التجربة الوطنية إلى منصة لتصدير الخبرات والمؤسسات إلى دول أخرى، وذلك خلال أسبوع المياه السعودي 2026 الذي رسّخ مكانتها كلاعب رئيسي في تشكيل مستقبل قطاع المياه على الصعيد الدولي.
حجم وتنوع الفعالية
يُعد أسبوع المياه السعودي أكبر تجمع متخصص في هذا المجال داخل المملكة، إذ شارك فيه أكثر من خمسة آلاف ممثل من ثمانين دولة، متجاوزاً الهدف الأولي البالغ ألفين وخمسمائة مشارك. شهد الحدث حضور عشرين وزيراً ورئيس وفد، بالإضافة إلى مئة وثمانين متحدثاً شاركوا في سبعة وتسعين جلسة وورشة عمل. وتضمن المعرض المتصل بالفعالية أكثر من عشرين جناحاً عارضاً أحدث التقنيات في التحلية، وإعادة الاستخدام، والحلول الرقمية، وإدارة الموارد المائية.
تحول استراتيجي في قطاع المياه
خلال افتتاح الأسبوع، أوضح وزير البيئة والمياه والزراعة، المهندس عبد الرحمن الفضلي، أن المملكة قد أتمت تحولاً جذرياً في أقل من عقد من خلال الانتقال من نموذج يعتمد على توسيع الإمدادات إلى نموذج يركز على الكفاءة والاستدامة والحوكمة، متماشياً مع أهداف رؤية 2030 والاستراتيجية الوطنية للمياه.
تجسدت هذه الخطوات في خفض استنزاف المياه الجوفية غير المتجددة من حوالي واحد وعشرين مليار متر مكعب في عام 2016 إلى نحو أحد عشر مليار متر مكعب في عام 2025، أي انخفاض يقارب النصف، وهو من أكبر إنجازات الحفاظ على الموارد المائية في المنطقة. كما ارتفعت القدرة الإنتاجية للمياه المحلاة من تسعة ملايين إلى ستة عشر مليون متر مكعب يومياً، وبلغت نسبة تغطية مياه الشرب الآمنة مئة بالمئة من السكان، منها ثمانون وخمسة وعشرون في المئة عبر شبكات الصرف الصحي.
وعلاوة على ذلك، ارتفعت السعة التخزينية الاستراتيجية بأكثر من مائة وخمس وعشرين بالمئة، ما عزز مرونة نظام الإمداد وقدرته على مواجهة المتغيرات والأزمات.
آثار اقتصادية واستثمارية
ساهمت الإصلاحات التنظيمية وإدماج القطاع الخاص في جذب استثمارات تجاوزت ستين مليار ريال (ستة عشر مليار دولار). أسفرت هذه الاستثمارات عن تحسين كفاءة التشغيل، خفض تكاليف إنتاج المياه، تحسين استهلاك الطاقة، وتعزيز جاذبية القطاع للاستثمارات المستقبلية.
وفي تصريح صحفي، أشار الفضلي إلى أن تقارير الأمم المتحدة والبنك الدولي أشادت بالإطار المؤسسي السعودي وسرعة تنفيذ المشروعات وكفاءة الحوكمة، مضيفاً أن مستوى رضا المستفيدين وصل إلى أعلى مستوياته. وشدد على أن «الاستثمار في المياه هو استثمار في أمن الإنسان، واستقرار الاقتصاد، واستدامة التنمية».
تقدير دولي وتطلعات مستقبلية
حظيت التجربة السعودية بإشادة من أبرز القادة العالميين في قطاع المياه؛ حيث صرح رئيس المجلس العالمي للمياه، لويك فوشون، أن الرياض تستحق أن تُلقّب بـ«عاصمة العالم للمياه»، مشيداً بالدور المحوري للمملكة في قيادة الجهود الدولية لمواجهة التحديات المائية. وأكد ذلك أن استضافة الرياض للمنتدى العالمي الحادي عشر للمياه عام 2027 يعكس الثقة المتزايدة في النموذج السعودي.
أوضح وكيل وزارة البيئة والمياه والزراعة لشؤون المياه، الدكتور عبدالعزيز الشيباني، أن أسبوع المياه السعودي تجاوز جميع التوقعات، حيث جمع أكثر من خمسة آلاف مشارك من ثمانين دولة، وشهد مشاركة عشرين وزيراً ورئيس وفد، بالإضافة إلى مئة وثمانين متحدثاً في سبعة وتسعين فعالية، ومعرض يضم أكثر من عشرين جناحاً. وأوضح أن الحدث استعرض مسار التحول من خلال اثنين وعشرين جلسة علمية، ستة عشر حلقة نقاش، وخمس ورش عمل، بهدف نقل التجربة إلى الساحة الدولية والاستفادة من أفضل الممارسات.
من جانبه، شدد وزير الموارد المائية والري المصري، الدكتور هاني سويلم، على تضخم الفجوة بين الطلب على المياه والموارد المتاحة نتيجة التغير المناخي والنمو السكاني، مؤكدًا أن «مستقبل المياه مرتبط مباشرة بالأمن المائي، ومن ثم بالأمن الغذائي وأمن الطاقة». وأشار إلى أن كلًا من المملكة ومصر تمتلكان إمكانات مثل الطاقة الشمسية الواسعة والصحارى الواسعة ومصانع التحلية المتطورة، داعيًا إلى توسيع التعاون العربي في مجالات التحلية والابتكار والتقنيات الحديثة لتعزيز الأمن المائي والغذائي.
في إطار تعزيز كفاءة الاستخدام، أعلن المركز الوطني لكفاءة وترشيد المياه «مائي» عن توقيع ستة اتفاقيات تعاون مع جهات حكومية وخاصة وغير ربحية لتطوير مبادرات مستدامة ونشر ثقافة الترشيد. كما تم إطلاق جائزة «مائي» التي تُمنح كل عامين لتكريم الابتكارات وأفضل الممارسات في مجال كفاءة استهلاك المياه.
الفعالية شهدت مشاركة وفود عربية ودولية رفيعة، من بينها وفد الجمهورية العربية السورية، الذي أكد أهمية الاستفادة من التجربة السعودية وتبادل الخبرات التقنية لتعزيز الأمن المائي الإقليمي.
ويُشكل أسبوع المياه السعودي جزءًا من مشروع أوسع يهدف إلى إنشاء المنظمة العالمية للمياه، وتأسيس المركز الدولي لأبحاث المياه، فضلاً عن استضافة المنتدى العالمي للمياه 2027، في إطار رؤية تسعى إلى ترسيخ المملكة كمركز عالمي للسياسات المائية، والابتكار، والاستثمار، وبناء شراكات دولية.
مع اقتراب موعد استضافة الرياض للمنتدى العالمي للمياه عام 2027، لا تقتصر جهود المملكة على إدارة مواردها فقط، بل تسعى إلى إعادة تعريف النظرة العالمية للمياه، متحولاً إياها من مورد نادر إلى رافعة تنموية، ومن تحدٍ بيئي إلى فرصة اقتصادية، ومن خدمة عامة إلى محور للتعاون الدولي وصناعة المستقبل.





