الرئيسية›عربي و عالمي›بيت زينب خاتون في القاهرة التاريخية.....
عربي و عالمي

بيت زينب خاتون في القاهرة التاريخية.. كنز معماري وذهبي يروي حكايات العصرين المملوكي والعثماني

03/11/2026 11:27

في قلب القاهرة التاريخية، وبين أزقة منطقة الأزهر الضيقة، يقف بيت زينب خاتون شاهداً على تفاصيل العمارة المملوكية والعثمانية. هذا البيت العتيق لا يحتفظ فقط بجمالياته المعمارية الفريدة، بل يخفي أيضاً قصة اكتشاف كنز أثري نادر يضم 3611 عملة ذهبية يعود تاريخها إلى القرن الخامس عشر الميلادي.

تاريخ البيت وقصة اكتشاف الكنز

تعود نشأة البيت إلى العصر المملوكي، حيث خضع لعملية تجديد على يد الأمير مثقال السودوني الظاهري، ثم السلطان قايتباي. وفي العصر العثماني، وتحديداً عام 1780، سكنته زينب خاتون، وهي جارية سابقة لـ محمد بك المغري، تزوجت بعد تحررها من الأمير حمزة الخربوطلي وأصبحت أميرة، ولقبت بـ خاتون، وهي كلمة فارسية تعني المرأة الشريفة الجليلة. ومنذ ذلك الحين، عُرف البيت باسمها.

في عام 1989، وخلال أعمال ترميم قامت بها هيئة الآثار المصرية، عُثر على كنز ذهبي داخل قُدرين من الفخار تحت عتبة إحدى الحجرات. بلغ عدد العملات المكتشفة 3611 قطعة ذهبية، من بينها 2000 عملة سُكت في إيطاليا وإسبانيا والبرتغال والمجر. وتُعرض هذه العملات حالياً في متحف الفن الإسلامي بالقاهرة تحت اسم كنز زينب خاتون.

وفي أوائل القرن العشرين، قامت لجنة حفظ الآثار العربية بترميم المنزل، قبل أن تنتقل ملكيته إلى وزارة الأوقاف المصرية عام 1942. وفي عام 2024، أدرجت شركة المقاولون العرب في مصر البيت ضمن مشاريعها المنتهية، حيث تضمنت الأعمال تنفيذ قبة بارتفاع 14 متراً فوق سطح المنزل، مع ممر بانورامي يطل على القاهرة التاريخية.

أسرار العمارة والتصميم الداخلي

يجمع البيت بين مميزات الطرازين المعماري والفني في العصرين المملوكي والعثماني، ويُعد مثالاً فريداً للعمارات السكنية في القاهرة. وفقاً لبطاقة تعريفية أعدتها وزارة السياحة والآثار المصرية، يعكس البيت روائع الفنون الإسلامية من خلال الأعمال الرخامية والجصية المعشقة بالزجاج الملون، والمشربيات، والشبابيك، والأسقف الخشبية المزينة بالزخارف النباتية والهندسية بالتذهيب والتلوين.

ويؤكد كبير الأثريين المصريين مجدي شاكر أن البيوت التاريخية في مصر، مثل بيت زينب خاتون، تتميز بخصائص معمارية متكاملة تشمل المداخل المنكسرة، والصحون الداخلية (قلب البيت)، والنافورة، والحدائق الصغيرة، وقاعات الحرملك والسلاملك، والمشربيات. ويرى شاكر أهمية تسويق هذه الآثار كمنتج سياحي مستقل، خاصة لأسواق جنوب شرق آسيا ودول وسط آسيا، ويشجع على إقامة فعاليات ثقافية فنية تتناسب مع روح هذه الأماكن، فضلاً عن استخدامها كمواقع للتصوير الدرامي.

من جانبه، يقدم المهندس أشرف رشاد، الباحث في تاريخ العمارة، من خلال دراسة معمارية نشرها في 2026، قراءة متعمقة لأسرار منزل زينب خاتون. ويوضح رشاد أن التخطيط المعماري للبيت يرتكز على فكرة البيت المنطوي حول فناء داخلي، وهو عنصر جوهري في العمارة السكنية الإسلامية. ويُعد المدخل المنكسر من أبرز أسرار البيت، حيث يحجب رؤية من في البيت عن الداخل، مما يعكس فلسفة الخصوصية في العمارة الإسلامية.

في المسقط الأفقي للدور الأرضي، يظهر صحن البيت كقلب نابض، وهو فناء داخلي واسع تحيط به أركان البيت الأربعة. لم يكن الصحن مجرد مساحة مفتوحة، بل عمل كمركز بيئي واجتماعي يحقق الخصوصية ويوزع الإضاءة والتهوية الطبيعية إلى جميع الحجرات. وتشرف على الفناء مشربيات من خشب الخرط الجميل، ويتشابه تخطيط المسقط الأفقي للدورين الأول والثاني مع بيوت تاريخية أخرى مثل بيت الهراوي (1486م) وبيت السحيمي (1648م).

حلول مناخية وجماليات هادئة

يكشف منزل زينب خاتون عن تعامل ذكي مع المناخ الحار للقاهرة من خلال مجموعة من الحلول البيئية المستدامة، مثل المشربيات التي تسمح بمرور الهواء وتكسير حدة أشعة الشمس، والأسقف المرتفعة التي تجمع الهواء الساخن بعيداً عن مستوى الاستخدام، وتوجيه الفتحات للتهوية المتقاطعة، واستخدام المواد المحلية كالحجر والخشب.

أما على الصعيد الجمالي، فيعتمد المنزل لغة زخرفية هادئة تتضمن زخارف خشبية دقيقة وتكوينات هندسية متوازنة. وتخلص الدراسة إلى أن العمارة الإسلامية السكنية لم تكن مجرد استجابة وظيفية، بل نتاج رؤية شمولية جمعت بين المناخ والثقافة والاجتماع والجمال، مما يجعل هذا المنزل شاهداً حياً على قدرة العمارة التقليدية في تقديم حلول معمارية إنسانية ومستدامة.