الرئيسيةعربي و عالميالتحكم الرقمي في مؤسسات التعليم العالي...
عربي و عالمي

التحكم الرقمي في مؤسسات التعليم العالي العربية يحد من حرية المعرفة

15/06/2026 09:02

تستند الدراسة التي تم الاستناد إليها في هذا التقرير إلى مسح ميداني شامل شمل 296 باحثًا من 15 دولة عربية، إلى جانب 16 مقابلة متعمقة ودراستين حالة مقارنة بين جامعتين خاصتين في مصر والأردن. وقد كشفت النتائج عن شبكة معقدة من القيود الرقمية التي تعيد تشكيل طريقة إنتاج المعرفة في المنطقة.

مفهوم الاستبداد الرقمي الأكاديمي

يُعرَّف الاستبداد الرقمي في السياق الجامعي بأنه الاستخدام المنظم لتقنيات الرقمية كوسيلة لفرض سيطرة سياسية أو مؤسسية على البيئة الأكاديمية. تتجسد هذه السيطرة عبر طبقات متعددة تشمل الرقابة الصريحة، المراقبة غير المرئية، التلاعب بالمعلومات، وتقييد الوصول إلى الموارد المعرفية. يختلف هذا النوع من الرقابة عن الشكل التقليدي بثلاث سمات أساسية.

أولًا، يتحول التركيز من الرقابة الخارجية إلى الرقابة الذاتية المتغلغلة داخل الأوساط الأكاديمية. ففي حين كان الإجراء التقليدي يقتصر على حجب المحتوى صراحةً، يخلق الاستبداد الرقمي مناخًا من المراقبة المتوقعة تدفع الباحث إلى ضبط نفسه تلقائيًا، ما يقترب من مفهوم “البانوبتيكون الرقمي” الذي صاغه الفيلسوف ميشيل فوكو.

ثانيًا، ينتقل الأسلوب من القمع الصريح إلى الهيمنة الخوارزمية الناعمة. لم تعد الحاجة إلى منع الأبحاث النقدية صريحة؛ بل تُستَخدم خوارزميات تهمِّش المحتوى المحلي وتفضِّل الأبحاث المنشورة بالإنجليزية في مجلات دولية مرموقة، وتربط الترقيات الأكاديمية بمؤشرات تجارية مثل Scopus وWeb of Science لتوجيه الأبحاث نحو أجندات لا تؤثر على البنى السياسية السائدة.

ثالثًا، يتحول الحصار المعلوماتي إلى تسليع المعرفة. إذ تُصبح المعرفة سلعة تجارية تحت سيطرة دور النشر الكبرى، ما يخلق “حصارًا اقتصاديًا” يبعد الباحث العربي عن التطورات العالمية دون الحاجة إلى حجب صريح.

منهجية البحث وطرق التحليل

اعتمد الباحثون في هذه الدراسة على منهجية مختلطة (Mixed Methods) بتصميم تفسيري تسلسلي. بدأ جمع البيانات بإرسال استبيان إلكتروني شمل 296 أكاديميًا من 15 دولة عربية، كان من بين المشاركين 64.2٪ من الذكور، و58.1٪ تجاوزوا سن الخمسين، و86.5٪ من تخصصات العلوم الإنسانية والاجتماعية. تلا ذلك إجراء 16 مقابلة متعمقة مع أكاديميين من 11 دولة، إلى جانب دراستين حالة مقارنة لجامعتين خاصتين في مصر والأردن.

استُخدم برنامج SPSS الإصدار 31 للتحليل الإحصائي، بينما استند التحليل النوعي إلى برنامج NVivo 12. وبسبب الحساسية السياسية للموضوع، التزم الباحثون بأعلى معايير الحماية الأخلاقية، بما في ذلك إخفاء الهوية وتشفير البيانات.

النتائج الكمية: خريطة الاستبداد الرقمي

أظهرت النتائج أن 76.3٪ من الأكاديميين العرب يمارسون رقابة ذاتية على أبحاثهم وتصريحاتهم العامة، ما يعادل متوسط 3.77 من 5، وهو أعلى مؤشر بين جميع أشكال الاستبداد الرقمي التي تم رصدها. وتبرز الفجوة بين ما تحظره الجامعات رسميًا وما يتجنبه الباحثون طوعًا. فمثلاً، تُمنع الأبحاث الدينية رسميًا في 40.2٪ من الحالات، بينما يتجنبها الباحثون طوعًا في 56.1٪، ما يضيف فجوة قدرها 15.9 نقطة. وفيما يخص القضايا السياسية، تكون الحظر الرسمي 43.9٪، بينما يتجنبها الباحثون ذاتيًا في 54.5٪ (فجوة 10.6٪). أما القضايا المتعلقة بالجندر والهوية الجنسية فتنحصر الحظر الرسمي عند 27٪، ويتجنبها الباحثون ذاتيًا في 35.5٪ (فجوة 8.5٪).

تشير هذه الأرقام إلى أن “الرقيب الداخلي” لدى الأكاديميين العرب أقوى من الرقابة المؤسسية، مما يخلق نموذجًا أكاديميًا منضبطًا يسبق القمع بتنظيم الذات.

المراقبة المؤسسية والحصار الاقتصادي

أفاد نصف المستطلعين بأن المحتوى الذي يرفعونه على المنصات التعليمية يخضع لمراجعة مؤسسية. وكشفت دراستا الحالة في مصر والأردن عن سياسات تقنية تسمح لإدارات الجامعات بالوصول غير المعلن إلى البريد الإلكتروني والملفات الشخصية للباحثين. هذا النوع من “البانوبتيكون المؤسسي” لا يتطلب مراقبة مستمرة؛ يكفي أن يدرك الأكاديمي إمكانية المراقبة لتعديل سلوكه.

من الناحية الاقتصادية، سجل ارتفاع تكلفة الاشتراكات في قواعد البيانات أعلى متوسط بين جميع العوامل المؤثرة على جودة المعرفة (3.96 من 5)، حيث اعتبره 82.7٪ عائقًا جوهريًا. ويُنظر إلى هذا الحصار كـ “حاجز مقنَّع” يبعد الباحث العربي عن المستجدات العالمية دون إثارة جدل سياسي.

كما أظهر التحليل أن التمويل البحثي سجل أدنى متوسط في مؤشرات الحرية الأكاديمية (2.47)، مما يدل على أن السلطات تميل إلى التحكم في اتجاهات البحث عبر التجفيف المالي بدلاً من المنع الصريح.

أما فيما يتعلق بالهيمنة الخوارزمية، فإن 59.5٪ من الأكاديميين لا يثقون في موثوقية نتائج الذكاء الاصطناعي لدعم أعمالهم (متوسط 2.50)، بينما يقر 60.8٪ بأن الشركات الكبرى تتحكم في مسارات البحث عبر الخوارزميات.

النتائج النوعية: أصوات من الميدان

أظهر الباحثون من خلال المقابلات تحولًا إبيستمولوجيًا قسريًا في طبيعة الأسئلة البحثية. وصَّف أحد الأكاديميين المصريين هذا التحول قائلاً: “لم نعد نسأل لماذا يحدث الفقر؟ بل نسأل كيف يتكيف الفقراء مع الفقر؟”. يوضح هذا الانتقال من أسئلة تفسيرية نقدية إلى أسئلة وصفية تكييفية نجاح الاستبداد الرقمي في إنتاج “معرفة مؤمنة” بدلاً من “معرفة محررة”.

وفي سياق آخر، عبَّر أكاديمي لبناني عن شعوره بالاغتراب الرقمي قائلاً: “أشعر أنني تحولت من باحث ينتج معرفة لمجتمعي إلى ‘مُزود بيانات’ لمنصات التصنيف العالمية. الآن لم يعد السؤال “هل هذا البحث مفيد لبلدي؟” بل “هل سيقبل في مجلة مفهرسة في Scopus؟””. يبرز هذا الاغتراب تحولًا بنيويًا في وظيفة الجامعات العربية من مؤسسات عامة تخدم المجتمع إلى مؤسسات نيوليبرالية تسعى وراء المؤشرات.

كما كشف أحد الأكاديميين العراقيين عن “شخصية رقمية مزدوجة”: “لدي حسابان على تويتر، الأول باسمي الحقيقي لنشر أبحاثي بحذر، والثاني باسم مستعار للتعبير عن آرائي السياسية بحرية”. يُظهر هذا الانقسام أن الفضاء العام الأكاديمي العربي لا يستطيع استيعاب التنوع الفكري.

آليات الرقابة في الجامعات المصرية والأردنية

حددت دراستا الحالة ثلاث آليات مؤسسية رئيسية للاستبداد الرقمي. الأولى هي الصلاحيات المطلقة لإدارات تقنية المعلومات، حيث تمنح سياسات الاستخدام المقبول (AUP) الإدارة حق الوصول إلى أي محتوى رقمي لأغراض أمنية أو إدارية دون معايير أو آليات قانونية واضحة.

الثانية هي استعمال لجان الأخلاقيات كأداة للرقابة الناعمة؛ إذ تُرفض أحيانًا أبحاث حساسة سياسيًا بحجة “حماية الباحث من المخاطر”، ما يحول الحماية إلى رقابة وقائية.

الثالثة هي الاعتماد على الخوارزميات الخارجية لتحديد الترقيات الأكاديمية، حيث تُربط الترقيات حصريًا بالنشر في مجلات مفهرسة في Scopus أو Web of Science، ما يجعل خوارزميات الشركات الغربية هي الحاكم الفعلي لمن يمُرّ إلى أعلى السلم الوظيفي.

تحليل تركيبي للظاهرة

تُظهر البيانات أن الاستبداد الرقمي يتخذ شكلًا مركبًا ثلاثيًا: الطبقة الأولى تمثل الاستبداد المحلي الذي تمارسه الدولة والمؤسسات الأكاديمية عبر قيود مباشرة على مواضيع حساسة مثل الدين، السياسة، والجندر؛ الطبقة الثانية تمثل الاستبداد العالمي عبر الهيمنة الخ{ }