الرئيسية›عربي و عالمي›حرارة مراكز البيانات: تحدٍ بيئي جديد...
عربي و عالمي

حرارة مراكز البيانات: تحدٍ بيئي جديد مع توسع الذكاء الاصطناعي

25/09/2026 19:39

الحرارة المنبعثة من مراكز البيانات وتأثيرها على البيئة الحضرية

مع زيادة الاستثمارات في تقنيات الذكاء الاصطناعي على مستوى العالم وتشييد منشآت ضخمة لمعالجة البيانات، برزت مسألة بيئية جديدة تواجه المدن والسكان المحليين تتمثل في كميات الحرارة الكبيرة التي تنبعث من هذه المراكز وتؤثر على الجو الخارجي.

غالباً ما يركز النقاش على استهلاك الكهرباء والمياه في هذه المنشآت، لكن الباحثين يحذرون من أن الحرارة الناتجة عن تشغيل آلاف الخوادم قد تصبح عاملاً إضافياً يزيد من ظاهرة “الجزر الحرارية الحضرية”، خصوصاً في المدن التي ترتفع فيها درجات الحرارة أصلاً، وفقاً لوكالة بلومبرغ نيوز.

الجزر الحرارية الحضرية هي ظاهرة ارتفاع درجات الحرارة داخل المدن مقارنة بالريف المحيط بها، وتحدث بسبب امتصاص الأسفلت والمباني للحرارة، وغياب المساحات الخضراء، والحرارة المنبعثة من السيارات والمكيفات، ما يؤدي إلى زيادة استهلاك الطاقة والإجهاد الحراري.

كيف تولد مراكز البيانات كل هذه الحرارة؟

تعمل مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي على مدار الساعة وتعتمد على آلاف المعالجات والخوادم عالية الأداء.

وبحسب وكالة بلومبرغ، يشير الخبراء إلى أن معظم الطاقة الكهربائية التي تستهلكها هذه المنشآت تتحول في النهاية إلى حرارة يجب التخلص منها.

مركز بيانات واحد يتجاوز قدرته 50 ميغاواط يمكنه إنتاج كمية حرارة تعادل تقريباً ما تولده 54 ألف وحدة سكنية، ثم يتم طرد هذه الحرارة إلى الهواء الخارجي عبر أنظمة التبريد والمراوح العملاقة المثبتة على أسطح المباني.

الأدلة والقياسات من دراسة فينيكس

دراسة حديثة أجراها باحثون من جامعة ولاية أريزونا أظهرت أن أعمدة الهواء الساخن المنبعثة من مراكز البيانات يمكن أن تمتد لأكثر من 300 قدم خارج حدود المنشأة، وتم رصد ارتفاعات في درجات الحرارة على مسافات تصل إلى 500 متر باتجاه الرياح.

وفي مدينة فينيكس الأميركية، التي تعد من أكثر المدن حرارة في الولايات المتحدة، وجدت الدراسة أن المناطق الواقعة في اتجاه الرياح القادمة من مركز بيانات تابع لشركة CyrusOne سجلت درجات حرارة أعلى بما يصل إلى 4 درجات فهرنهايت مقارنة بالمناطق الواقعة في الجهة المقابلة.

وقال ديفيد سايلور، معد الدراسة ومدير مدرسة العلوم الجغرافية والتخطيط الحضري في الجامعة، لوكالة بلومبرغ نيوز، إن المركز يشبه “حاسوباً محمولاً عملاقاً” يطلق باستمرار كميات ضخمة من الهواء الساخن إلى محيطه.

الاستجابة التشريعية والمعارضة المتزايدة

ويحذر الباحثون من أن توسع بناء مراكز البيانات في تجمعات ضخمة قرب المناطق السكنية قد يؤدي إلى مضاعفة تأثيرها الحراري، مما قد يسبب زيادة استهلاك أجهزة التكييف في المنازل، ورفع فواتير الكهرباء للسكان، وتفاقم تأثيرات موجات الحر الناجمة عن تغير المناخ، والتأثير على النظم البيئية المحلية، وتغيير أنماط الرطوبة والأمطار على المدى الطويل.

ويرى علماء أن الحرارة الصادرة عن مراكز البيانات قد تصبح عنصراً دائماً في التخطيط الحضري خلال العقود المقبلة، بالتزامن مع التوسع الكبير في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.

المخاوف البيئية عززت المعارضة الشعبية لمشروعات مراكز البيانات في الولايات المتحدة؛ فبحسب بيانات حديثة، تم تعليق أو تأجيل ما لا يقل عن 45 مشروعاً لمراكز بيانات بين أبريل ويونيو 2026، بقيمة إجمالية تقدر بنحو 68 مليار دولار.

كما اتخذ مشرعون في ولايات مثل نيويورك وتكساس خطوات لتقييد أو مراجعة التوسع السريع في هذه المشروعات، وسط مطالب بإعطاء المجتمعات المحلية دوراً أكبر في الموافقة على مواقع الإنشاء.

سباق الذكاء الاصطناعي يفتح تحدياً جديداً

على الرغم من تأكيد مطوري مراكز البيانات أنهم يستخدمون تقنيات لتقليل امتصاص الحرارة وإعادة تدوير جزء منها، فإن الخبراء يرون أن وتيرة النمو الحالية للقطاع قد تجعل المشكلة أكثر وضوحاً خلال السنوات المقبلة.

وقال تيبو ديغور، مدير شركة EOLIOS Engineering الاستشارية، إن المشكلة لا تكمن فقط في زيادة عدد مراكز البيانات، بل أيضاً في ارتفاع القدرة التشغيلية لكل مركز جديد.

وأضاف أن الجمع بين هذين العاملين يؤدي إلى تصاعد الانبعاثات الحرارية بصورة كبيرة، خاصة عندما تُبنى المنشآت في تجمعات متقاربة.

الذكاء الاصطناعي يواجه معضلة جديدة

في الوقت الذي تتنافس فيه شركات التكنولوجيا على بناء بنية تحتية قادرة على دعم الطفرة الهائلة في الذكاء الاصطناعي، يبدو أن التحدي لم يعد يقتصر على توفير الكهرباء أو المياه، بل بات يمتد أيضاً إلى كيفية التعامل مع مليارات الوحدات الحرارية التي تولدها هذه المراكز يومياً.

ومع توسع الاستثمارات في مراكز البيانات العملاقة، قد يصبح السؤال المطروح أمام المطورين والسلطات المحلية في السنوات المقبلة: كيف يمكن تشغيل الذكاء الاصطناعي من دون تحويل المدن المحيطة إلى مناطق أكثر سخونة؟