الرئيسيةمحلياتالرياض تتحول إلى معرض فني مفتوح:...
محليات

الرياض تتحول إلى معرض فني مفتوح: أعمال عالمية تزين الشوارع والميادين

17/08/2026 01:01

لم يعد الفن في العاصمة السعودية مقتصراً على جدران المتاحف وصالات العرض، بل أصبح جزءاً لا يتجزأ من النسيج الحضري اليومي. يلتقي المارة بالأعمال الفنية في محطات القطار، والساحات العامة، والجسور، وحتى في مواقع العمل، ليتحول المشهد العادي إلى تجربة بصرية وثقافية.

من محطة الحكم إلى كافد: لوحات فنية في قلب المدينة

في محطة قطار قصر الحكم، يستقبل الزوار عمل الفنان السعودي زمان جاسم المعنون «لما اكتمل القمر»، وهو تركيب غامر يجمع بين الأقراص المضيئة والصور المسقطة والصوت متعدد الطبقات والشعر والخط، وقد أنجز عام 2021. ويستحضر العمل القمر كرمز للوداع والتجدد والذاكرة، في إطار ممارسة فنية تتناول الهوية الثقافية والروحانية. ويمنحه موقعه داخل محطة القطار بُعداً تأملياً في مكان يرتبط بالحركة والانتقال.

على الطرف الآخر من المدينة، في مركز الملك عبدالله المالي «كافد»، تبرز منحوتة «جايني وايني» للفنان الأمريكي ألكسندر كالدر، أحد رواد النحت الحركي. ويعود العمل إلى عام 1969، وهو منحوتة ضخمة من الفولاذ المطلي توحي بالحركة عبر مستوياتها المتوازنة ومنحنياتها الواسعة. ويتغير إدراك المشاهد لها مع تجواله حولها، مما يخلق علاقة ديناميكية مع العمارة المحيطة وحركة المشاة.

في الموقع نفسه، يقدم الفنان الهندي سوبوده غوبتا عمله «شجرة العائلة» الذي أنجز عام 2020، مستخدماً أدوات منزلية من الفولاذ المقاوم للصدأ لتشكيل شجرة «بيبال» ضخمة. يحول غوبتا الأواني وصناديق الطعام وأوعية الحليب إلى تكوين متفرع يربط بين الذاكرة الجماعية وحياة المدينة المعاصرة، ليصبح العمل معلماً فنياً ونقطة تجمع في قلب كافد.

على مقربة من ذلك، تظهر واحدة من أشهر الصيغ البصرية في الفن المعاصر: عمل «LOVE» للفنان الأمريكي روبرت إنديانا، المثبت في ساحة الوصول بكافد. يتكون العمل من أربعة أحرف متراكبة مع حرف «O» المائل، وهي صيغة ارتبطت باسم إنديانا منذ ستينيات القرن الماضي، وحولت الكلمة إلى بناء بصري يجمع بين اللغة والثقافة الشعبية. ويمنح الموقع المزدحم بالمارة العمل بُعداً تفاعلياً جديداً.

الضوء واللون والحركة: تجارب فنية في الفضاء العام

في الحي الدبلوماسي، يقدم الفنان الأمريكي جيف كونز عمله «ألماسة (أحمر)» أمام قصر الثقافة. العمل مصنوع من الفولاذ المقاوم للصدأ شديد الصقل، ويحاكي هيئة حجر كريم ضخم متعدد الأوجه. تعكس أوجه المنحوتة الـ52 المطلية بالأحمر العمارة والضوء والجمهور المحيط، فتتغير صورتها باستمرار وفق زاوية النظر والبيئة. يندرج العمل ضمن سلسلة «الاحتفاء» التي تعد من أبرز مراحل تجربة كونز الفنية.

عند تقاطع طريق الملك عبدالعزيز وطريق هشام بن عبدالملك، يأخذ الفن العام شكلاً مختلفاً مع عمل «الجري إلى ما وراء» للفنان الإيطالي أنجيلو بونيلو، الممتد فوق جسر للمشاة. أنجز العمل عام 2022، ويحول هيئة الجسد الإنساني أثناء الحركة إلى سلسلة من الظلال المضيئة باستخدام إضاءة الليد، في دورة بصرية توحي بالانطلاق والاستمرار. ويسهم موقعه فوق الجسر في ربط مضمون العمل بحركة الطريق والمارة، ليحول نقطة عبور حضرية إلى معلم ضوئي في المشهد الليلي للعاصمة.

الرياض آرت: شبكة فنية تمتد عبر المدينة

تأتي هذه الأعمال ضمن برنامج «الرياض آرت»، أحد مشاريع الرياض الكبرى، الذي أطلق في مارس 2019 بهدف تحويل العاصمة إلى معرض فني مفتوح. يضم البرنامج مجموعة دائمة من 75 عملاً فنياً، تتوزع في بيئات حضرية مختلفة: الأحياء السكنية، الحدائق، المتنزهات، الساحات، محطات النقل، الجسور، ومداخل المدينة. وتقدم هذه الأعمال تجارب لفنانين سعوديين ودوليين من أجيال واتجاهات متعددة، في سياق يربط العمل بالمكان الذي يحتضنه ويمنحه حضوراً يتجاوز حدود قاعات العرض التقليدية.

يتكامل هذا المسار مع برامج أخرى مثل «نور الرياض» و«ملتقى طويق للنحت»، الذي يجمع فنانين من مختلف أنحاء العالم لإنتاج أعمال نحتية من الأحجار المستخرجة من المملكة، وتحويلها إلى أعمال فنية عامة دائمة. ويأتي هذا التطور ضمن التحولات التي تشهدها الرياض في إطار رؤية السعودية 2030، التي تولي اهتماماً بتعزيز جودة الحياة وتنمية القطاع الثقافي والإبداعي، وترسيخ مكانة الرياض كوجهة عالمية للفنون والثقافة.

بين «لما اكتمل القمر» لزمان جاسم في محطة القصر، وأعمال كالدر وغوبتا وإنديانا في كافد، و«ألماسة» كونز في الحي الدبلوماسي، وضوء بونيلو الممتد فوق الطريق، تتشكل في الرياض تجربة لا يعود فيها الفن غريباً عن المدينة أو منفصلاً عن إيقاعها؛ بل يصبح جزءاً من المكان، ومن حركة الناس فيه، ومن صورتها المتجددة. وهنا تكمن خصوصية المشهد: أن يخرج الفن من جدران القاعات، ليمضي إلى حيث تمضي المدينة، ويلتقي بالجمهور في تفاصيل يومه العابر.